تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
وبناء على هذا فلا عجب فيمن يبتعد عن الحياة الاجتماعية التي هي جزء من فطرته أن يصاب بردود فعل شديدة ، لذلك فإن الرهبانية - لأن منهجها خلافا لطبيعة الإنسان وفطرته - فإنها استبطنت مفاسد كثيرة من جملتها : أولا : أن الرهبانية تتعارض مع طبيعة الإنسان المدنية وبالتالي فإنها تؤدي بالمجتمعات الإنسانية إلى الإنحطاط والتخلف . ثانيا : ليست الرهبانية عائقا عن كمال النفس وتهذيب الروح والأخلاق فقط ، بل تجر إلى الانحرافات الأخلاقية والكسل وسوء الظن والغرور والعجب والتشاؤم وما إلى ذلك ، وعلى فرض أن الإنسان استطاع أن يصل إلى فضيلة أخلاقية في حالة الانزواء ، فإنها في الواقع لا تعد كذلك ، إذ أن الفضيلة أن يحرر الإنسان نفسه من التلوث الأخلاقي في قلب المجتمع . ثالثا : إن ترك الزواج والإعراض عنه ، والذي هو من مبادئ الرهبانية ، ليس فقط يعوق عن الكمال ، بل هو سبب لظهور العقد والأمراض النفسية وما إلى ذلك . ونقرأ في دائرة المعارف أن بعض الرهبان كانوا يعتبرون الاهتمام بجنس المرأة عمل شيطاني ، لحد أنهم منعوا وجود أنثى أي حيوان في الدير خوفا من الروح الشيطانية لهذه الأنثى التي قد تدنس روحانيتهم وتسبب لها انتكاسة . ومع هذه الحالة فإن التأريخ يذكر لنا فضائح عديدة من الأديرة إلى حد أن وصفها ( ويل دورانت ) بأنها بيوت للفحشاء والدعارة ، ومراكز لتجمع عباد البطون وطلاب الدنيا واللاهين ، بحيث أن أفضل المشروبات كانت توجد في الأديرة . وطبقا لشهادة التأريخ فإن السيد المسيح ( عليه السلام ) لم يتزوج أبدا ، وهذا لم يكن بسبب موقف له من سنة الزواج ، بل لقصر عمره ، وانشغاله المستمر في مسؤولياته الرسالية التي كانت تستدعي منه السفر والتجول والتبليغ في المناطق النائية في العالم ، وهي التي لم تسمح له بالزواج . إن البحث حول الرهبانية يستحق كتابا مستقلا ، وإذا أردنا أن نستفيض في
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 89 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي