ووفقا لبعض الروايات أن الوحيد الذي لم يسجد لهذه الآية عند سماعها هو
" الوليد بن المغيرة " [ لعله لم يستطع أن ينحني للسجود ] فأخذ قبضة من التراب
ووضعها على جبهته فكان سجوده بهذه الصورة .
ولا مكان للتعجب أن يسجد لهذه الآية حتى المشركون وعبدة الأصنام ، لأن
لحن الآيات البليغ من جهة ، ومحتواها المؤثر من جهة أخرى وما فيها من تهديد
للمشركين من جهة ثالثة ، وتلاوة هذه الآيات على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المرحلة
الأولى من نزول الآيات عن لسان الوحي من جهة رابعة . . كل هذه الأمور كان لها
دور في التأثير والنفوذ إلى القلوب حتى أنه لم يبق أي قلب إلا اهتز لجلال آيات
الله وألقى عنه أستار الضلال وحجب العناد - ولو مؤقتا - ودخله نور التوحيد
المشع ! .
وإذا تلونا الآية - بأنفسنا - وأنعمنا النظر فيها بكل دقة وتأمل وحضور قلب
وتصورنا أنفسنا أمام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفي جو نزول الآيات وبقطع النظر - عن اعتقادنا
الإسلامي - نجد أنفسنا ملزمين على السجود عند تلاوتنا لهذه الآية وأن نحني
رؤوسنا إجلالا لرب الجلال !
وليست هذه هي المرة الأولى التي يترك القرآن بها أثره في قلوب المنكرين
ويجذبهم إليه دون اختيارهم ، إذ ورد في قصة " الوليد بن المغيرة " أنه لما سمع
آيات فصلت وبلغ النبي ( في قوله ) إلى الآية : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة
مثل صاعقة عاد وثمود قام من مجلسه واهتز لها وجاء إلى البيت فظن جماعة من
المشركين أنه صبا إلى دين محمد .
فبناء على هذا ، لا حاجة أن نقول بأن جماعة من الشياطين أو جماعة من
المشركين الخبثاء حضروا عند النبي ولما سمعوا النبي يتلو الآية : أفرأيتم اللات
والعزى ومناة الثالثة الأخرى بسطوا ألسنتهم وقالوا : تلك الغرانيق العلى ! ! ولذلك
انجذب المشركون لهذه الآيات فسجدوا أيضا عند تلاوة النبي آية السجدة !
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 282
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٢٨٢