تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
على عقل الإنسان وفكره ، فتصور له القبيح حسنا ، كما نرى أناسا يفخرون بأعمالهم التي يندى لها الجبين ، وهي وصمة عار في جباههم ، كما جاء ذلك في الآية ( 103 ) من سورة الكهف : قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا . " البينة " تعني الدليل الواضح الجلي ، وهي هنا إشارة إلى القرآن ، ومعاجز الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والدلائل العقلية الأخرى . ومن الواضح أن الاستفهام في جملة : أفمن كان . . . استفهام إنكاري ، أي إن هذين الفريقين لا يتساويان أبدا . ولكن من الذي يزين أعمال السوء في أنظار عبدة الهوى ومتبعيه ؟ أهو الله سبحانه ، أم هم أنفسهم ، أم الشياطين ؟ ينبغي أن يقال : إنها تصح جميعا ، لأن التزيين نسب إلى الثلاثة في آيات القرآن ، فتقول الآية ( 4 ) من سورة النمل : إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم . وجاء في آيات عديدة أخرى ، ومن جملتها الآية ( 38 ) من سورة العنكبوت ، التي تقول : وزين لهم الشيطان أعمالهم . وظاهر الآية مورد البحث ، وبملاحظة الجملة : واتبعوا أهواءهم أن هذا التزيين ناشئ عن اتباع الهوى ، وقضية كون الهوى والشهوات تسلب الإنسان القدرة على الحس والتشخيص والإدراك الصحيح للحقائق ، قضية يمكن إدراكها بوضوح . إن نسبة التزيين إلى الشيطان - طبعا - صحيحة أيضا ، لأنه هو الذي ينصب المكائد ويوسوس للإنسان أن يلجها ، ويزين له اتباع الهوى . وأما نسبته إلى الله سبحانه فلأنه مسبب الأسباب ، وإليه يرجع كل سبب ، فهو الذي أعطى النار الإحراق ، ومنح الهوى قدرة تغطية الحقائق وإلقاء الحجب عليها
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 354 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي