تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
وربما كان هذا هو السبب في أن تضيف الآية مباشرة : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم . إنه نفس التعبير الذي ورد في بداية ثلاث سور من الحواميم ، وهي : المؤمن ، والجاثية ، والأحقاف . ولا شك في الحاجة إلى قوة لا تقهر ، وحكمة لا حد لها ، لكي تنزل مثل هذا الكتاب . ثم تحولت الآيات من كتاب التدوين إلى كتاب التكوين ، فتحدثت الآية عن عظمة السماوات والأرض وكونهما حقا ، فقالت : ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق فلا ترى في كتاب سمائه كلمة تخالف الحق ، ولا تجد في مجموع عالم خلقه شيئا نشازا لا ينسجم والحق ، فالكل منسق منتظم ، وكله مقترن بالحق . لكن ، كما أن لهذا الكون بداية ، فإن له نهاية أيضا ، ولذلك تضيف الآية : وأجل مسمى فإذا حل الأجل ستفنى الدنيا بما فيها ، ولما كان هذا العالم مقترنا بالحق ويسير ضمن منهجه ، وله هدف مرجو ، فمن الطبيعي أن يوجد عالم آخر تبحث فيه الأعمال وتعلن فيه النتائج ، وبناء على هذا ، فإن كون هذا العالم حقا دليل بنفسه على وجود المعاد ، وإلا فإنه سيكون لغوا وعبثا لا فائدة فيه ، وسيقترن حين ذلك بكثير من المظالم والمفاسد . لكن مع أن القرآن حق ، وخلق العالم حق أيضا : والذين كفروا عما أنذروا معرضون فالآيات القرآنية تهددهم وتنذرهم بصورة متلاحقة متوالية ، وتحذرهم بأن محكمة عظمي أمامهم ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن نظام الخلقة بدقته وأنظمته الخاصة يدل بنفسه على أن في الأمر حسابا ونظاما ، غير أن هؤلاء الغافلين لم يلتفتوا لا إلى هذا ولا إلى ذاك . كلمة " معرضون " - من الإعراض - تشير إلى أن هؤلاء إذا نظروا إلى آيات التكوين والتدوين فسيدركون الحقائق ، إلا أنهم أعرضوا بوجوههم عنها ، وفروا
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 242 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي