" لا أقول لكم إلا كما قال يوسف لإخوته : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو
أرحم الراحمين " ( 1 ) .
" ولي " هنا بمعنى الصديق . و ( حميم ) تعني في الأصل الماء الحار المغلي ، وإذا
قيل لعرق جسم الإنسان ( حميم ) فذلك لحرارته ، ولهذا السبب يطلق اسم
" الحمام " على أماكن الغسل ، ويقال أيضا للأصدقاء المخلصين والمحبين للشخص
" حميم " والآية تقصد هذا المعنى .
وضروري أن نشير إلى أن قوله تعالى : كأنه ولي حميم حتى وإن لم تكن
تعني أن الشخص لم يكن كذلك حقا ، إلا أن ظاهره سيكون كذلك على الأقل .
إن هذا الأسلوب من التعامل مع المعارضين والأعداء ليس بالأمر العادي
السهل ، والوصول إليه يحتاج إلى بناء أخلاقي عميق ، لذلك فإن الآية التي بعدها
تبين الأسس الأخلاقية لمثل هذا التعامل في تعبير قصير ينطوي على معاني
كبيرة ، حيث يقول تعالى : وما يلقاها إلا الذين صبروا ( 2 ) .
وكذلك : وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .
على الإنسان أن يجاهد نفسه مدة طويلة حتى يستطيع أن يسيطر على
غضبه ، يجب أن تكون روحه قوية في ظل الإيمان والتقوى حتى لا يستطيع أن
يتأثر بسرعة وبسهولة بإيذاء الأعداء ، ولا يطغى عنده حب الانتقام ، فتلزمه الروح
الواسعة وانشراح الصدر بالمقدار الكافي ، حتى يصل الإنسان إلى هذه المرحلة
من الكمال بحيث يقابل السيئات بالإحسان . وعليه أن يتجاوز مرحلة العفو ليصل
إلى منزلة " دفع السيئة بالحسنة " وأن يحتسب كل ذلك في سبيل الله تعالى بغية
تحقيق الأهداف المقدسة .
وهنا أيضا - كما تلاحظون - تواجهنا قضية " الصبر " بوصف هذه الخصلة
هامش
1 - بحار الأنوار ، المجلد 21 ، صفحة 132 .
2 - يرجع ضمير ( يلقاها ) إلى ( الخصلة ) أو ( الوصية ) المستفادة من الجملة السابقة .