فإن قلت : فما فائدة قوله سبحانه : «
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
» . « 1 »
قلنا : « لو » حرف امتناع ، لامتناع فما شاء إلّا ما هو الأمر عليه ، ولكن عين الممكن قابل للشيء ونقيضه في حكم دليل العقل ، وأيّ الحكمين المعقولين وقع فهو الّذي عليه الممكن في حال ثبوته في العلم ، فمشيئته أحدي التّعلّق ، وهي نسبة تابعة للعلم ، والعلم نسبة تابعة للمعلوم ، فعدم المشيئة معلّل بعدم إعطاء أعيانهم هداية الجميع لتفاوت استعداداتهم وعدم قبول بعضها للهداية ، وذلك لأنّ الاختيار في حقّ الحقّ تعارضه وحدانيّة المشيئة ، فنسبته إلى الحقّ من حيث ما هو الممكن عليه لا من حيث ما هو الحقّ عليه ، قال تعالى : «
وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
» وقال : «
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ
» وقال : «
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ
» ، « 2 » فهذا هو الّذي يليق بجناب الحقّ ، والّذي يرجع إلى الكون «
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
» ، « 3 » فما شاء فإنّ الممكن قابل للهداية والظّلال من حيث ما هو قابل ، فهو موضع الانقسام ، وفي نفس الأمر ليس للحقّ فيه إلّا أمر واحد .
فإن قيل : حقائق المخلوقات واستعداداتها فائضة من الحقّ سبحانه ، فهو جعلها كذلك .
قلنا : الحقائق غيرمجعولة ، بل هي صور علميّة للأسماء الإلهيّة دائماً ، وإنّما المجعول وجوداتها في الأعيان ، والوجودات تابعة للحقائق .
فإن قيل : أليس الاختيار حكم من أحكام العزّة والعظمة ووصف من أوصاف الإلهيّة ، والخالقيّة ليس لعلّة ولا ضرورة ولابدٍّ ، بل شأن إلهيّ ووصف ذاتيّ كما قال : «
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
» . « 4 » قلنا : بلى ، ولكن لابدّ بعده من وقوع المختار دون غيره ، والمختار لابدّ أن يكون أحسن ما يمكن أن يكون ، وهو ما هو الأمر عليه وهو معنى شاء ما شاء .
ولهذا قال الله تعالى في جواب داود ( ع ) حين سأله : لماذا خلقت الخلق ؟ قال : « لما هم
هامش
( 1 ) - النحل : 9 .
( 2 ) - الآيات في السجدة : 13 ؛ الزمر : 19 ؛ ق : 29 .
( 3 ) - السجدة : 13 .
( 4 ) - القصص : 68 .