والسّر في خلق السّماوات والأرض في ابتداء وانقضاء ، أنّ الممكن مفتقر في حدّ ذاته إلى موجد قيّوم ، لأنّه في حدّ ذاته معدوم ، فهو في كلّ آن معدوم في ذاته موجود بموجده بوجوده الجديد بعد وجوده الفقيد ، فلا يزال الله سبحانه يبدع ويصنع ويخلق ويرزق .
روي في التّوحيد عن الصّادق ( ع ) في قول الله ( عز وجل ) : « «
قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
» قال : لم يعنوا أنّه هكذا ولكنّهم قالوا : قد فرغ من الأمر ، فلايزيد ولا ينقص ، فقال الله تكذيباً لقولهم : «
غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ
» ، ألم تسمع الله ( عز وجل ) يقول : «
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
» ، » . « 1 »
ولمّا كان هذا الخلق من جنس ما كان أوّلًا التبس على المحجوبين ولم يشعروا بالتّجدّد وذهاب ما كان بالفناء « 2 » في الحقّ ، «
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
» «
وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً
» «
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ
» «
وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
» . « 3 »
ويظهر هذا المعنى في الماء الجاري ، فإنّه في كلّ آنٍ تدخل قطعة منه في النّهر ويتشكّل بشكل ما يحاذيه من النّهر ، ثمّ تذهب وتدخل « 4 » أُخرى ، مع أنّها تُرى واحدة بالشّخص دائماً ؛ وفي النّار المشتعلة من الدّهن والفتيلة ، فإنّه في كلّ آنٍ يدخل منهما شيء في تلك النّاريّة ويتّصف بصفة النّوريّة ، ثمّ تذهب تلك الصّورة بصيرورته هواء .
هكذا شأن العالم بأسره ، فإنّ يستمدّ دائماً من الخزائن الإلهيّة الّتي لا تنقص ولاتغيض « 5 » ، بل تزداد ويفيض ، فيفيض منها ويرجع إليها .
قال الله ( عز وجل ) : «
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
» ، وقال الله
هامش
( 1 ) - التوحيد : 167 ، باب 25 ، ح 1 ؛ بحار الأنوار : 4 / 104 ، أبواب الصفات ، باب 3 ، ح 17 ؛ والآيات في المائدة : 64 ؛ المائدة : 64 ؛ الرعد : 64 .
( 2 ) - في أ ، ز : من الفناء .
( 3 ) - الآيات في ق : 15 ؛ البقرة : 25 ؛ البروج : 13 ؛ النمل : 88 .
( 4 ) - في د ، : يذهب ويدخل .
( 5 ) - غاض ، غَيْضاً : نقص .