[ 5 ] كلمة : فيها إشارة إلى معنى الصّور والنّفخ
قد ورد في الحديث النبويّ : « إنّه قَرْن « 1 » من نور يلتقمه إسرافيل ووصفه بسعة وضيق » . « 2 »
وورد « أنّه فيه ثُقباً بعدد الأرواح » . « 3 »
قال بعض أهل المعرفة : إنّه كناية عن الحضرة البرزخيّة الّتي ينتقل إليه الأرواح بعد الموت ، فإنّ القرن واسع ضيّق ، ولا شيء أوسع من الخيال لحكمه على كلّ شيء وعلى من ليس بشيء ، فإنّه يتصوّر العدم المحض ، ولا شيء أضيق منه إذ ليس في وسعه أن يتخيّل أمراً إلّا بصورة ، ولم يسعه أن يجرّد المعانيّ عن الموادّ أصلًا ، فيرى العلم في صورة لبن والشّرع في صورة قيد إلى غير ذلك ممّا يرى في النّوم وغيره ، وأمّا كونه من نور فإنّ النّور سبب الكشف والظّهور ، جعل الله هذا الخيال نوراً يدرك به تصوير كلّ شيء ، فنوره لا يشبه الأنوار ، وبه يدرك التّجلّيّات ، وهو نور عين الخيال لا نور عين الحسّ . « 4 »
قال : إذا قبض الله الأرواح من هذه الأجسام الطّبيعيّة حيث كانت أودعها صوراً جسديّةً هي مجموع هذا القرن النّوريّ ، فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنّما يدركه بعين الصّورة الّتي هي فيها في القرن ، وهو إدراك حقيقيّ ، ومن الصّور هناك ما هي مقيّدة عن التّصرّف ، ومنها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء كلّهم وأرواح الشّهداء ، ومنها ما يكون لها نظر إلى عالم الدّنيا ، ومنها ما يتجلّي للنائم في هذه الدّار في حضرة الخيال الّتي هي فيه وهو الّذي يصدّق رؤياه . « 5 »
هامش
( 1 ) - القَرْن : الزيادة العظيمة التي تنبت في رؤوس بعض الحيوانات ، جمعه القرون ؛ القَرَن : حبل يقرن به البعيرات ، الجعبة ، جمعه الأقران .
( 2 ) - الفتوحات المكّيّة : 1 / 306 ؛ وكذا راجع التبيان : 7 / 395 ؛ تفسير ابن كثير : 3 / 112 .
( 3 ) - تفسير الرازي : 30 / 196 ؛ تفسير ابن كثير : 4 / 247 .
( 4 ) - الفتوحات المكّيّة : 1 / 306 ، باب 63 .
( 5 ) - الفتوحات المكّيّة : 1 / 307 ، باب 64 .