والتعبير ب " علام الغيوب " يؤيد هذا المعنى .
الآخر : إن المقصود من " قذف الحق على الباطل وزهوق الباطل " ، يعني أن
للحق قوة تجعله قادرا على تجاوز أي عائق في طريقه ، وليس لأحد طاقة على
الوقوف بوجهه ، وبهذا تكون الآية تهديدا للمخالفين لكي لا يقفوا بوجه القرآن ،
وأن يعلموا أن حقانية القرآن ستسحقهم .
وبذا تكون الآية تعبيرا مشابها لما ورد في الآية ( 18 ) من سورة الأنبياء بل
نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق .
ويحتمل أن يكون المقصود بتعبير " القذف " هنا هو نفوذ حقانية القرآن إلى
نقاط العالم القريبة والبعيدة ، وهي إشارة إلى أن هذا الوحي السماوي سيضئ
جميع العالم بنوره في نهاية الأمر .
بعدئذ ولزيادة التأكيد يضيف سبحانه وتعالى : قل جاء الحق وما يبدئ
الباطل وما يعيد ( 1 ) . وعليه فلن يكون للباطل أي دور مقابل الحق ، لا خطة أولي
جديدة ، ولا خطة معادة ، إذ أن خطط الباطل نقش على الماء ، ولهذا السبب فلم
يتمكن الباطل من طمس نور الحق ومحو أثره من القلوب .
مع أن بعض المفسرين أرادوا حصر مصاديق " الحق " و " الباطل " في هذه الآية
في حدود معينة ، لكن الواضح أن مفهوم الاثنين واسع وشامل جدا ، القرآن ، الوحي
الإلهي ، تعليمات الإسلام ، جميعها مصاديق لمفهوم " الحق " . والشرك والكفر ،
والضلال ، والظلم والذنوب ، ووساوس الشيطان ، والبدع الطاغوتية كلها تندرج
تحت معنى " الباطل " ، وفي الحقيقة فإن هذه الآية شبيهة بالآية ( 81 ) من سورة
الإسراء ، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .
وقد ورد أن ابن مسعود قال : دخل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مكة وحول البيت ثلاثمائة
هامش
1 - ( يبدئ ) من مادة " بدء " بمعنى الإيجاد الابتدائي ، و ( يعيد ) : من مادة ( عود ) بمعنى التكرار ، الباطل : فاعل ، والمفعول
محذوف ، والتقدير " ما يبدئ الباطل شيئا وما يعيد شيئا " .