وبهذا تتضح ملاءمة التفسير الأول أكثر من غيره ، وهي إشارة إلى نشاط
الشياطين وما يلقونه على الأنبياء لتعويق عملهم البناء ، غير أن الله يبطل ما يفعلون
ويمحو ما يلقون .
3 2 - أسطورة الغرانيق المختلفة !
جاء في بعض كتب السنة رواية عجيبة تنسب إلى ابن عباس ، مفادها أن النبي
( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان مشغولا بتلاوة سورة " النجم " في مكة المكرمة ، وعند ما بلغ الآيات
التي جاء فيها ذكر أسماء أصنام المشركين أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة
الأخرى ألقى الشيطان على النبي هاتين الجملتين وجعلهما على لسانه : ( تلك
الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ! ) أي إنهن طيور جميلة ذات منزلة رفيعة
ومنها ترتجى الشفاعة ( 1 ) !
وقد فرح المشركون بذلك ، وقالوا : إن محمدا لم يذكر آلهتنا بخير حتى الآن .
فسجد محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسجدوا هم أيضا ، فنزل جبرائيل ( عليه السلام ) على الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم )
محذرا من أنه لم ينزل هاتين الآيتين وأنهما من إلقاءات الشيطان . وهنا أنزل عليه
الآيات موضع البحث وما أرسلنا من قبل من رسول . . . محذرا الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم )
والمؤمنين ( 2 ) . ورغم أن عددا من أعداء الإسلام نقلوا هذا الحديث وأضافوا عليه
ما يحلو لهم للمساس برسالة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والقرآن ، إلا أنه مختلق يبغي النيل من
القرآن وأحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .
وهناك أدلة دامغة عديدة تؤكد اختلاق شياطين الإنس لهذا الحديث :
أولا : ذكر الباحثون ضعف رواته وعدم الثقة بهم ، ولا دليل على أنه من رواية
هامش
1 - " الغرانيق " جمع غرنوق ، على وزن بهلول ، طائر يعيش في الماء أبيض أو أسود اللون ، كما جاء بمعان أخرى " قاموس
اللغة " .
2 - جاء ذكر هذا الحديث نقلا عن جماعة من حفاظ أهل السنة في تفسير الميزان .