وفعل معاوية بالشام والجزيرة واليمن مثل ما فعل بالعراق من استصفاء ما كان للملوك من الضياع وتصييرها لنفسه خالصة ، وأقطعها أهل بيته وخاصّته . وكان أوّل من كانت له الصوافي في جميع الدنيا ، حتّى بمكّة والمدينة ، فإنّه كان فيهما شيء يحمل في كلّ سنة من أوساق التمر والحنطة ، « 1 » وأقطع فدكا مروان خاصة . « 2 »
ثمّ شدّد النكير على من ناوأه ؛ ولمّا صار إلى المدينة أتاه جماعة من بني هاشم ، وكلّموه في أُمورهم ، فقال : أما ترضون يا بني هاشم أن نقرّكم على دمائكم وقد قتلتم عثمان حتّى تقولوا ما تقولون ؟ فواللّه لأنتم أحلّ دماً من كذا وكذا ، وأعظم في القول . فقال له ابن عبّاس : كلّ ما قلت لنا يا معاوية من شرّ بين دفتيك ، أنت واللّه أولى بذلك منّا ، أنت قتلت عثمان ، ثمّ قمت تَغمص على الناس أنّك تطلب بدمه . فانكسر معاوية . . . الحديث . ثمَّ كلّمه الأنصار ، فاغلظ لهم في القول ، وقال لهم : ما فعلت نواضحكم ؟ قالوا : أفنيناها يوم بدر لمّا قتلنا أخاك وجدّك وخالك ؛ ولكنّا نفعل ما أوصانا به رسول اللّه . قال : ما أوصاكم به ؟ قالوا : أوصانا بالصبر . قال : فاصبروا .
ثمّ أدلج معاوية إلى الشام ولم يقض لهم حاجة . « 3 »
وأمر معاوية بمنبر النبيّ ( ص ) أن يحمل من المدينة إلى الشام وقال : لا يترك هو وعصا النبيّ بالمدينة ، وهم قتلة عثمان ، وطلب العصا ، وحرّك المنبر فكسفت الشمس فتركهما . وقيل : إنّ الصحابة منعوه عن ذلك . « 4 »
وكان أشدّ الناس بلاء يومذاك شيعة عليّ خاصّة ؛ فقد كان أمر ولاته بلعن عليّ على المنبر ، وقال للمغيرة بن شعبة - لمّا ولّاه الكوفة سنة إحدى
هامش
( 1 ) . المصدر السابق ص 234 ( ( الوسق ) ) بفتح أوّله وثانيه : ستون صاعاً أو حمل بعير .
( 2 ) . المصدر السابق ص 305 .
( 3 ) . اليعقوبي ط . دار بيروت 2 / 223 والنواضح ، مفردها الناضح : البعير يستقى عليه .
( 4 ) . ابن الأثير 3 / 199 ، ومروج الذهب . ط . السعادة 3 / 35 .