قالت : أبيت أبيت .
قلت : ما كان إباؤك إلّا فُواق ناقةٍ بكيئةٍ « 1 » ثمَّ صرت ما تُحِلّين ولا تُمرين « 2 » ولا تأمرين ولا تنهين .
قال : فبكت حتّى علا نشيجها . « 3 » ثمَّ قالت : نعم ، أرجع ، فإنَّ أبغض البلدان إليَّ بلدٌ أنتم فيه .
قلت : أما واللّه ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أُمّاً ، وجعلنا أباك لهم صدّيقاً .
قالت : أتمنُّ عليَّ برسول اللّه يا ابن عبّاس !
فقلت : نعم ، نمنُّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منّا لمننت به علينا .
قال ابن عبّاس : فأتيت عليّاً فأخبرته ، فقبّل بين عيني ، وقال : بأبي ذرّيّة بعضها من بعض . « 4 »
وقال ابن عبد ربّه : فجهّزها بأحسن الجهاز ، وبعث معها أربعين امرأةً وقيل سبعين حتّى قدمت المدينة .
وفي فتوح ابن أعثم ( 2 / 341 ) : وقد كان علي ( رض ) أوصاهن وأمرهن ان يتزيين بزي الرجال عليهن العمائم فجعلت عائشة تقول في طريقها فعل بي عليّ وفعل ثمَّ وجّه معي رجالا يردوني إلى المدينة ، فسمعتها امرأة فحركت
هامش
( 1 ) . فُواق : ما بين الحلبتين من الوقت فانّ الناقة تُحلب ثمَّ تُترك سويعة يرضعها الفصيل لتدرّ ، ثمَّ تُحلب : ويقال : ما أقام عنده إلّا فواقاً ، أي قدر ما بين الحلبتين . و ( ( البكيئة ) ) الناقة التي قلَّ لبنها .
( 2 ) . فلان مايمرّ وما يحلي : ما يتكلّم بحلو ولا مرّ ، ولا يفعل حلوا ولا مرّا .
( 3 ) . النشيج : أشدّ البكاء . مثل البكاء للصبي إذا ردّد صوته في صدره .
( 4 ) . لقد أوردت محاورة ابن عبّاس وامّ المؤمنين من العقد الفريد 4 / 328 - 329 ط . لجنة التأليف . وأوردها ابن أبي الحديد 2 / 82 ط . المصرية ، كذلك وابن أعثم في تاريخه ص 181 بتفصيل أوفى ، واليعقوبي في 2 / 213 مختصراً وكذلك المسعودي في مروجه 5 / 197 بهامش ابن الأثير . وتفصيله في ترجمة ابن عبّاس من مجمع الرواة ( 4 / 14 ) ، وفتوح ابن اعثم 2 / 339 .