قومهم أوّلًا ، ثمّ تدرَّجوا إلى عبادتهم .
ومن العجيب في هذا الامر : أنّنا نجد السلف الصالح عندنا كان ينتقد بعضه بعضاً ، ويردّه أشدّ الردّ والنقد ، ويجوّز لنفسه قتل من خالفه في الرأي من معاصريه ، حتّى إذا انصرم عصرهم ، وجاء الخلف من بعدهم ؛ رأينا في المسلمين من يحرّم نقدهم ، فيغلق على نفسه وغيره باب العرفان والعلم .
والعقبة المهلكة الثانية ، وهي سجيّة التعصّب الذميم ، والتعصّب عقبة أمام العلم لما تسدّ على الانسان منافذ النور ، ومهلكة نجد لها ضحايا في كلّ عصر وكلّ مصر ؛ هذه الريّ في أوائل القرن السابع الهجري « 1 » تدَمِّرها العصبيَّة المذهبيَّة ، يُبيد الحنفيةُ والشافعيّةُ الشيعةَ أوّلًا ، ثمّ يُثنِّي الشافيعة بالحنفية ، ويبيدونهم حتّى يتركوا أحيأهم خراباً يباباً .
وثالثة الأثافي في هذه العقبات تدخُّل السلطة ، آلهة العصور في هذا الشأن ، فهي الّتي أغلقت باب البحث رياء ، وهي التي سدّت باب الاجتهاد سنة 665 ه « 2 » وبقي كذلك حتّى اليوم . ولا أدري ألم يأن للمسلمين أن يفتحوا باب البحث والتحقيق ! بعد أن فكّروا في فتح باب الاجتهاد ، أُمّ إنّهم لا يرضون بالتقليد بديلًا ؟ ! لا لن يبقى الامر كذلك ، فقد بزغ فجر العلم في عصرنا نتيجة سعي المصلحين ؛ وسيأتي زمان يضحك أهله من متاعبنا كما ضحكنا من تعصّب أهل الرّيّ الذميم .
ومضافاً إلى ما ذكرت من عقبات فإنّا قد تعوَّدنا أن نقرأ لاحد مدحاً فلا نرضى أن نسمع له نقداً ، أو نقداً فلا نرضى أن نسمع له ثناء ، وفي هذا الكتاب رسمتُ أُمّ المؤمنين كما وجدتها ، سواء أكان ذاك لها ثناء ، أو كان لها نقداً .
هامش
( 1 ) . راجع ياقوت في لغة الري 4 / 355 ، وهذه واحدة من آلاف .
( 2 ) . بيبرس البند قداري سد باب الاجتهاد بمصر . راجع خطط المقريزي ص 161 ، وكان جديراً بمصر مبادرتها في هذا العصر إلى فتح الباب الذي أغلقته .