المدينة نصف الليل . فدق باب عثمان فدخل فأكب عليه فقبل رأسه . فقال عثمان : فأين الجيش ؟ فقال معاوية : لا والله ما جئتك إلا في ثلاثة رهط .
فقال عثمان : لا وصل الله رحمك . ولا أعز نصرك ولا جزاك عني خيرا .
فوالله ما أقتل إلا فيك ولا ينقم علي إلا من أجلك . فقال معاوية : بأبي أنت وأمي إني لو بعثت إليك جيشا فسمعوا به عاجلوك فقتلوك قبل أن يبلغ الجيش إليك . ولكن معي نجائب لا تساير « 1 » . ولم يشعر بي أحد . فأخرج معي .
فوالله ما هي إلا ثلاث ليال حتى ترى معالم الشام . فإنها أكثر الإسلام رجالا .
وأحسنه فيك رأيا . فقال عثمان : بئس ما أشرت به . وأبى أن يجيبه إلى ذلك .
فخرج معاوية إلى الشام راجعا . وقدم المسور يريد المدينة . فلقي معاوية بذي المروة راجعا إلى الشام . فقدم المسور على عثمان وهو ذام لمعاوية غير عاذر له . فلما كان في حصره الآخر بعث المسور أيضا إلى معاوية فأغذ السير حتى قدم عليه فقال : إن عثمان بعثني إليك لتبعث إليه الرجال والخيول .
وتنصره بالحق وتمنعه من الظلم .
فقال : إن عثمان أحسن فأحسن الله به . ثم غير فغير الله به . فشددت عليه . فقال : يا مسور . تركتم عثمان حتى إذا « 2 » كانت نفسه في حنجرته .
قلتم : اذهب فادفع عنه الموت . وليس ذلك بيدي . ثم أنزلني في مشربة على رأسه « 3 » . فما دخل علي داخل حتى قتل « 4 » عثمان رحمة الله عليه ورضوانه .
هامش
( 1 ) لا تساير : أي لا تجاري في سرعتها ( اللسان ، مادة سير : 4 / 389 ) .
( 2 ) ، إذا ، ساقطة من المحمودية .
( 3 ) المشربة : بفتح الراء وضمها - الغرفة أو الصفة بين يدي الغرفة وعادة تكون في أعلى الدار . فكأن المشربة فوق مجلسه فلذا قال : مشربة على رأسه ( وانظر لسان العرب : 1 / 491 مادة شرب ) .
( 4 ) في تاريخ الطبري : 4 / 368 من طريق الكلبي - وهو كذاب - أن عثمان كتب إلى معاوية يستمده بعث الجنود من أهل الشام . فتربص معاوية بالكتاب ولم يظهره .