أسوة حسنة فإنهم كانوا كذلك ، وقال الزجاج : احتجاج عليهم في قولهم ذلك كأنه قيل كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فكيف يكون محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل عليهم السلام . ورده الطيبي بأنه لا يساعد عليه " النظم الجليل " لأنه قد أجيب عن تعنتهم بقوله تعالى : * ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) * ( الإسراء : 48 ) وتعقبه في " الكشف " بقوله : ولقائل أن يقول هذا جواب آخر كما أجيب هنالك من أوجه على ما نقل عن الإمام وجعل قوله تعالى : * ( بل كذبوا ) * جواباً ثالثاً وعقبه بقوله تعالى : * ( وأعتدنا لمن كذب بالساعة ) * ( الفرقان : 11 ) لمكان المناسبة وتم الوعيد ثم أجابهم سبحانه جواباً آخر يتضمن التسلية أيضاً وهذا يساعد عليه " النظم الجليل " ، والجملة التي بعد إلا قيل صفة ثانية لموصوف مقدر قبل * ( من المرسلين ) * والمعنى ما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين . وتعقب بأن فيه الفصل بين الموصوف والصفة بإلا وقد رده أكثر النحاة كما في " المغني " ، ومن هنا جعلها بعضهم صفة لموصوف مقدر بعد إلا وذلك بدل مما حذف قبل وأقيمت صفته مقامه ، والمعنى ما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا رجالاً أو رسلاً أنهم الخ ، وفيه الفصل بين البدل والمبدل منه وهو جائز عندهم . وقدر الفراء بعد إلا من وهي تحتمل أن تكون موصولة وأن تكون نكرة موصوفة ، وجعل بعضهم الجملة في محل نصب بقول محذوف وجملة القول صفة أي إلا رجالاً أو رسلاً قيل أنهم الخ وهو كما ترى ، وقال ابن الأنباري : الجملة حالية والاستثناء من أعم الأحوال والتقدير إلا وإنهم . قال أبو حيان : وهو المختار ، وقدر الواو بناءً على أن الاكتفاء في مثل هذه الجملة الحالية بالضمير غير فصيح ، وربما يختار عدم التقدير ويمنع دعوى عدم الفصاحة أو يحمل ذلك على غير المقترن بإلا لأنه في الحقيقة بدل ، ووجه كسر إن وقوعها في الابتداء ووقوع اللام بعدها أيضاً . وقرئ * ( أنهم ) * بالفتح على زيادة اللام بعدها وتقدير جار قبلها أي لأنهم يأكلون الخ . والمراد ما جعلناهم رسلاً إلى الناس إلا لكونهم مثلهم ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وابن مسعود . وعبد الرحمن بن عبد الله * ( يمشون ) * بتشديد الشين المفتوحة مع ضم الياء مبنياً للمفعول أي يمشيهم حوائجهم أو الناس والتضعيف للتكثير كما في قول الهذلي : يمشي بيننا حانوت خمر
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي كما في " البحر " * ( يمشون ) * بضم الياء والشين مع التشديد مبنياً للفاعل وهو مبالغة يمشي المخفف فهي مطابقة للقراءة المشهورة ولا يحتاج إلى تقدير يمشيهم حوائجهم ونحوه . وأنشدوا قوله : ومشى بأغصان المباءة وابتغى * قلائص منها صعبة وذلول
وقوله : فقد تركت خزينة كل وغد * يمشي بين خاتام وطاق
وفي بعض نسخ الكشاف ما يدل على أنه لم يظفر بهذه القراءة ، وقوله تعالى : * ( وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لبَعْض فتْنَةً أَتَصْبرُونَ ) * قيل تسلية له صلى الله عليه وسلم أيضاً لكن عن قولهم : " أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة " أي وجعلنا أغنياءكم أيها الناس ابتلاء لفقرائكم لننظر هل يصبرون * ( وَكَانَ رَبُّكَ بَصيراً ) * أي عالماً بالصواب فيما يبتلى به وغيره فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم ، وقيل تصبير له عليه الصلاة والسلام على ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعد الاحتجاج عليهم بسائر الرسل ، والكلام من تلوين الخطاب بتعميمه لسائر الرسل عليهم السلام بطريق التغليب على ما اختاره بعضهم ، والمراد بالبعض الأول كفار الأمم واختصاصهم بالرسل مصحح لأن
تفسير الآلوسي — صفحة 254
مساهمون: الآلوسي
ص٢٥٤