تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
يعتبروا بها ويستدلوا بأحوالها على عظيم قدرة الله عز وجل وسابغ رحمته ويشكروه ولا يكفروه . وخص هذا بالحيوان لما أن محل العبرة فيه أظهر . وقوله تعالى : * ( نُسْقيكُمْ ممَّا في بُطُونهَا ) * تفصيل لما فيها من مواقع العبرة . وما في بطونها عبارة إما عن الألبان فمن تبعيضية والمراد بالبطون الأجواف فإن اللبن في الضروع أو عن العلق الذي يتكون منه اللبن فمن ابتدائية والبطون على حقيقتها . وأياً ما كان فضمير * ( بطونها ) * للانعام باعتبار نسبة ما للبعض إلى الكل لا للإناث منها على الاستخدام لأن عموم ما بعده يأباه ، وقرئ بفتح النون وبالتاء أي تسقيكم الأنعام . * ( وَلَكُمْ فيهَا مَنَافعُ كَثيرةٌ ) * غير ما ذكر من أصوافها وأشعارها وأوبارها * ( ومَنْهَا تَأْكُلُونَ ) * الظاهر أن الأكل على معناه الحقيقي ومن تبعيضية لأن من أجزاء الأنعام مالا يؤكل . وتقديم المعمول للفاصلة أو للحصر الإضافي بالنسبة إلى الحمير ونحوها أو الحصر باعتبار ما في * ( تأكلون ) * من الدلالة على العادة المستمرة . وكان هذا بيان لانتفاعهم بأعيانها وما قبله بيان لانتفاعهم بمرافقها وما يحصل منها . ويجوز عندي ولم أر من صرح به أن يكون الأكل مجازاً أو كناية عن التعيش مطلقاً كما سمعت قبل أي ومنها ترزقون وتحصلون معايشكم . * ( وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) * . * ( وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْك تُحْمَلُونَ ) * في البر والبحر بأنفسكم وأثقالكم . وضمير * ( عليها ) * للانعام باعتبار نسبة ما للبعض إلى الكل أيضاً . ويجوز أن يكون لها باعتبار أن المراد بها الإبل على سبيل الاستخدام لأنها هي المحمول عليها عندهم والمناسبة للفلك فإنها سفائن البر قال ذو الرمة في صيدحه : سفينة بر تحت خدي زمامها وهذا مما لا بأس به . وأما حمل الأنعام من أول الأمر على الإبل فلا يناسب مقام الامتنان ولا سياق الكلام ، وفي الجمع بينهما وبين الفلك في إيقاع الحمل عليها مبالغة في تحملها للحمل ، قيل : وهذا هو الداعي إلى تأخير هذه المنفعة مع كونها من المنافع الحاصلة منها عن ذكر منفعة الأكل المتعلقة بعينها . * ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) * . * ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلَى قَوْمه ) * شروع في بيان إهمال الناس وتركهم النظر والاعتبار فيما عدد سبحانه من النعم وما حاقهم من زوالها وفي ذلك تخويف لقريش . وتقديم قصة نوح عليه السلام على سائر القصص مما لا يخفى وجهه ، وفي إيرادها إثر قوله تعالى : * ( وعليها وعلى الفلك تحملون ) * من حسن الموقع ما لا يوصف ، وتصديرها بالقسم لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها ، والكلام في نسب نوح عليه السلام وكمية لبثه في قومه ونحو ذلك قد مر ، والأصح أنه عليه السلام لم تكن رسالته عامة بل أرسل إلى قوم مخصوصين * ( فَقَالَ ) * متعطفاً عليهم ومستميلاً لهم إلى الحق * ( يا قَوْم اعْبُدُوا الله ) * أي اعبدوه وحده كما يفصح عنه قوله تعالى في سورة ( هود : 2 ) * ( ألا تعبدوا إلا الله ) * وترك التقييد به للإيذان بأنها هي العبادة فقط وأما العبادة مع الإشراك فليست من العبادة في شيء رأساً ، وقوله تعالى : * ( مَا لَكُمْ منْ إله غَيْرُهُ ) * استئناف مسوق لتعليل العبادة المأمور بها أو تعليل الأمر بها ، و * ( غيره ) * بالرفع صفة لإله باعتبار محله الذي هو الرفع على أنه فاعل - بلكم - أو مبتدأ خبره * ( لكم ) * أو محذوف ودلكم ) * للتخصيص والتبيين أي ما لكم في الوجود إله غيره تعالى . وقرئ * ( غيره ) * بالجر اعتباراً للفظ * ( إله ) * * ( أَفَلاَ تتَّقُونَ ) * الهمزة لإنكار الواقع واستقباحه والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أتعرفون ذلك أي مضمون قوله تعالى * ( ما لكم من إله