وتعقب بأن المراد بالتشبيه بيان كيفية استئذان هؤلاء وزيادة إيضاحه ولا يتسنى ذلك إلا بتشبيهه باستئذان المعهودين عند السامع ، ولا ريب في أن بلوغهم قبل بلوغ هؤلاء مما لا يخطر ببال أحد وإن كان الأمر كذلك في الواقع وإنما المعهود المعروف ذكرهم قبل ذكرهم ، فالمعنى فليستأذنوا استئذاناً كائناً مثل استئذان المذكورين قبلهم بأن يستأذنوا في جميع الأوقات ويرجعوا إن قيل لهم ارجعوا حسبما فصل فيما سلف ، وكون المراد بالأطفال الأطفال الأحرار الأجانب قد ذهب إليه غير واحد ، وقال بعض الأجلة : المراد بهم ما يعم الأحرار والمماليك فيجب الاستئذان على من بلغ من الفريقين وأوجب هذا استئذان العبد البالغ على سيدته لهذه الآية ، وقال في " البحر " * ( منكم ) * أي من أولادكم وأقربائكم .
وأخرج ابن أبي حاتم نحو هذا التفسير عن سعيد بن جبير . وأخرج عن سعيد بن المسيب أنه قال : يستأذن الرجل على أمه فإنما نزلت : * ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ) * في ذلك . وأخرج سعيد بن منصور . والبخاري في الأدب . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وابن مردويه عن عطاء أنه سأل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أأستأذن على أختي ؟ قال : نعم قلت : إنها في حجري وأنا أنفق عليها وإنها معي في البيت أأستأذن عليها ؟ قال : نعم إن الله تعالى يقول : * ( ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ) * ( النور : 58 ) الآية فلم يأمر هؤلاء بالاستئذان إلا في العورات الثلاث وقال تعالى : * ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ) * فالإذن واجب على خلق الله تعالى أجمعين ، وروي عنه رضي الله تعالى عنه أنهق ال : آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي يعني زوجته أن تستأذن علي ، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم ، ونقل عن بعضهم أن وجوب الاستئذان المستفاد من الأمر الدال عليه في الآية منسوخ وأنكر ذلك سعيد بن جبير روى عنه يقولون : هي منسوخة لا والله ما هي منسوخة ولكن الناس تهاونوا بها ، وعن الشعبي ليست منسوخة فقيل له : إن الناس لا يعملون بها فقال : الله تعالى المستعان ، وقيل : ذلك مخصوص بعدم الرضا وعدم باب يغلق كما كان في العصر الأول * ( كَذَلكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاته وَاللَّهُ عَليمٌ حَكيمٌ ) * الكلام فيه كالذي سبق ، والتكرير للتأكيد والمبالغة في طلب الاستئذان ، وإضافة الآيات إلى ضمير الجلالة لتشريفها وهو مما يوقي أمر التأكيد والمبالغة .
* ( والْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ الَّلَاتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ واللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ ) * .
* ( وَالقَوَاعدُ منَ النِّسَاء ) * أي العجائز وهو جمع قاعد كحائض وطامث فلا يؤنث لاختصاصه ولذا جمع على فواعل لأن التاء فيه كالمذكورة أو هو شاذ ، قال ابن السكيت : امرأة قاعد قعدت عن الحيض ، وقال ابن قتيبة : سميت العجائز قواعد لأنهن يكثرن القعود لكبر سنهن ، وقال ابن ربيعة : لقعودهن عن الاستمتاع حيث أيسن ولم يبق لهن طمع في الأزواج فقوله تعالى : * ( اللاَّتي لاَ يَرْجُونَ نكَاحاً ) * أي لا يطمعن فيه لكبرهن صفة كاشفة * ( فَلَيْسَ عَلَيْهنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثيَابَهُنَّ ) * أي الثياب الظاهرة التي لا يفضي وضعها لكشف العورة كالجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار .
وأخرج ابن المنذر عن ميمون بن مهران أنه قال : في مصحف أبي بن كعب . ومصحف ابن مسعود * ( فليس عليهن جناح أن يضعن جلابيبهن ) * وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود . وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يقرآن كذلك ، ولعله لذلك اقتصر بعض في تفسير الثياب على الجلباب ، والجملة خبر * ( القواعد ) * والفاء إما لأن اللام في القواعد موصولة بمعنى اللاتي وإما لأنها موصوفة بالموصول . وقوله
تفسير الآلوسي — صفحة 216
مساهمون: الآلوسي
ص٢١٦