لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة " وبدأ سبحانه بالإرشاد إلى غض البصر لما في ذلك من سد باب الشر فإن النظر باب إلى كثير من الشرور وهو بريد الزنا ورائد الفجور ، وقال بعضهم : كل الحوادث مبداها من النظر * ومعظم النار من مستصغر الشرر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها * في أعين العين موقوف على الخطر
كم نظرة فعلت في قلب فاعلها * فعل السهام بلا قوس ولا وتر
يسر نا ظره ما ضر خاطره * لا مرحباً بسرور عاد بالضرر
والظاهر أن الإرشاد لكل واحد من المؤمنين ولفظ الجمع لا يأبى ذلك ، والظاهر أيضاً أن المؤمنين أعم من العباد وغيرهم ، وزعم بعضهم جواز أن يكون المراد بهم العياد والمؤمنين المخلصين على أن يكون المعنى قل للمؤمنين الكاملين يغضوا من أبصارهم * ( وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ) * أي عما لا يحل لهم من الزنا واللواطة ، ولم يؤت هنا بمن التبعيضية كما أتى بها فيما تقدم لما أنه ليس فيه حسن كناية كما في ذلك . وفي الكشاف دخلت * ( من ) * في غض البصر دون حفظ الفرج دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس للبيع والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين وأما أمر الفرج فمضيق ، وكفاك فرقا أن أبيح النظر إلا ما اشتثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه انتهى ، وقال صاحب الفرائد : يمكن أن يقال المراد غض البصر عن الأجنبية والأجنبية يحل النظر إلى بعضها وأما الفرج فلا طريق إلى الحل فيه أصلاً بالنسبة إلى الأجنبية فلا وجه لدخول * ( من ) * فيه وفيه تأمل ، وقيل : لم يؤت بمن هنا لأن المراد من حفظ الفروج سترها .
فقد أخرج ابن المنذر . وجماعة عن أبي العالية أنه قال : كل آية يذكر فيها حفظ الفرج فهو من الزنا إلا هذه الآية في النور * ( ويحفظوا فروجهم . ويحفظن فروجهن ) * فهو أن لا يراها أحد ، وروي نحوه عن أبي زيد ، والستر مأمور به مطلقاً .
وتعقب بأنه يجوز الكشف في مواضع فلو جيء بمن لكان فيه إشارة إلى ذلك ، وتفسير حفظ الفروج هنا خاصة بسترها قيل لا يخلو عن بعد لمخالفته لما وقع في القرآن الكريم كما اعترف به من فسره بما ذكر .
واختار بعض المدققين أن المراد من ذلك حفظ الفروج عن الافضاء إلى ما لا يحل وحفظها عن الإبداء لأن الحفظ لعدم ذكر صلته يتناول القسمين ، وذكر أن الحفظ عن الابداء يستلزم الآخر من وجهين عدم خلوه عن الإبداء عادة وكون الحفظ عن الإبداء بل الأمر بالتستر مطلقاً للحفظ عن الإفضاء ، ومن هنا تعلم أن من ضعف ما روي عن أبي العالية . وابن زيد بعدم تعرض الآية عليه بحفظ الفرج عن الزنا لم يصب المحز .
* ( ذالكَ ) * أي ما ذكر من الغض والحفظ * ( أَزْكَى لَهُمْ ) * أي أطهر من دنس الريبة أو انفع من حيث الدين والدنيا فإن النظر بريد الزنا وفيه من المضار الدينية أو الدنيوية ما لا يخفى وافعل للمبالغة دون التفضيل .
وجوز أن يكون للتفضيل على معنى أزكى من كل شيء نافع أو مبعد عن الريبة ، وقيل على معنى أنه أنفع من الزنا والنظر الحرام فإنهم يتوهمون لذة ذلك نفعاً * ( إنَّ اللَّهَ خَبيرٌ بمَا يَصْنَعُونَ ) * لا يخفى عليه شيء مما يصدر عنهم من الأفاعيل التي من جملتها إجالة النظر واستعمال سائر الحواس وتحريك الجوارح وما يقصدون بذلك
تفسير الآلوسي — صفحة 139
مساهمون: الآلوسي
ص١٣٩