تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
تمثيلية للحفظ والتدبير ، وبعضهم فسر استوى باستولى ، ومذهب السلف في ذلك شهير ومع هذا قد قدمنا الكلام فيه ، وأياً ما كان فليس المراد به القصد إلى إيجاد العرش كما قالوا في قوله تعالى : * ( ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ) * ( البقرة : 29 ) لأن إيجاده قبل إيجاد السماوات ، ولا حاجة إلى إرادة ذلك مع القول بسبق الإيجاد وحمل * ( ثم ) * على التراخي في الرتبة ، نعم قال بعضهم : إنها للتراخي الرتبي لا لأن الاستواء بمعنى القصد المذكور وهو متقدم بل لأنه صفة قديمة لائقة به تعالى شأنه وهو متقدم على رفع السماوات أيضاً وبينهما تراخ في الرتبة * ( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ ) * ذللهما وجعلهما طائعين لما أريد منها * ( كُلٌّ ) * من الشمس والقمر * ( يَجْري ) * يسير في المنازل والدرجات * ( لأَجَل مُّسَمًّى ) * أي وقت معين ، فإن الشمس تقطع الفلك في سنة والقمر في شهر لا يختلف جري كل منهما كما في قوله تعالى : * ( والشمس تجري لمستقر لها . . . والقمر قدرناه منازل ) * ( يس : 38 ، 39 ) وهو المروى عن ابن عباس ، وقيل : أي كل يجري لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي * ( إذا الشمس كورت ، وإذا النجوم انكدرت ) * ( التكوير : 1 ، 2 ) وهذا مراد مجاهد من تفسير الأجل المسمى بالدنيا ، قيل : والتفسير الحق ما روى عن الحبر ، وأما الثاني : فلا يناسب الفصل به بين التسخير والتدبير . ثم إن غايتهما متحدة والتعبير - بكل يجري - صريح في التعدد وما للغاية * ( إلى ) * دون اللام ، ورد بأنه إن أراد أن التعبير بذلك صريح في تعدد ذي الغاية فمسلم لكن لا يجد به نفعاً ، وإن أراد صراحته في تعدد الغاية فغير مسلم ، واللام تجيء بمعنى إلى كما في المغنى وغيره . وأنت تعلم لا يفيد أكثر من صحة التفسير الثاني ، فافهم ، وما أشرنا إليه من المراد من كل هو الظاهر ، وزعم ابن عطية أن ذكر الشمس والقمر قد تضمن ذكر الكواكب فالمراد من كل كل منهما ومما هو في معناهما من الكواكب والحق ما علمت * ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) * أي أمر العالم العلوي والسفلي ، والمراد أنه سبحانه يقضي ويقدر ويتصرف في ذلك على أكمل الوجوه وإلا فالتدبير بالمعنى اللغوي لاقتضائه التفكر في دبر الأمور مما لا يصح نسبته إليه تعالى : * ( يُفَصِّلُ الآيَات ) * أي ينزلها ويبينها مفصلة ، والمراد بها آيات الكتب المنزلة أو القرآن على ما هو المناسب لما قبل ، أو المراد بها الدلائل المشار إليها فيما تقدم وبتفصيلها تبيينها ، وقيل إحداثها على ما هو المناسب لما بعد . والجملتان جوز أن يكونا مستأنفتين وأن يكونا حالين من ضمير * ( استوى ) * وسخر من تتمته بناء على أنه جيء به لتقرير معنى الاستواء وتبيينه أو جملة مفسرة له ، وجوز أن يكون * ( يدبر ) * حالاً من فاعل * ( سخر ) * و * ( يفصل ) * حالاً من فاعل * ( يدبر ) * ، و * ( الله الذي ) * الخ على جميع التقادير مبتدأ وخبر ، وجوز أن يكون الاسم الجليل مبتدأ والموصول صفته وجملة * ( يدبر ) * خبره وجملة * ( يفصل ) * خبراً بعد خبر ، ورجح كون ذلك مبتدأ وخبراً في " الكشف " بأن قوله تعالى الآتي : * ( وهو الذي مد الأرض ) * ( الرعد : 3 ) عطف عليه على سبيل التقابل بين العلويات والسفليات وفي المقابل تتعين الخبرية فكذلك في المقابل ليتوافقا ، ولدلالته على أن كونه كذلك هو المقصود بالحكم لا أنه ذريعة إلى تحقيق الخبر وتعظيمه كما في الوجه الآخر ، ثم قال : وهو على هذا جملة مقررة لقوله سبحانه : * ( والذي أنزل إليك من ربك هو الحق ) * ( الرعد : 1 ) وعدل عن ضمير الرب إلى الاسم المظهر الجامع لترشيح التقرير كأنه قيل : كيف لا يكون منزل من هذه أفعاله الحق الذي لا أحق منه ، وفي الإتيان بالمبتدأ والخبر
تفسير الآلوسي — صفحة 89 | الآلوسي