هم المنافقون جهروا بالإيمان وأخفوا الكفر ونسب ذلك للبلخي ، وعن الحبر أنهم المشبهة آمنوا مجملاً وكفروا مفصلاً . وعن الحسن أنهم المراؤون بأعمالهم والرياء شرك خفي ، وقيل : هم المناظرون إلى الأسباب المعتمدون عليها ، وقيل : هم الذين يطيعون الخلق بمعصية الخالق ، وقد يقال نظراً إلى مفهوم الآية : إنهم من يندرج فيهم كل من أقر بالله تعالى وخالقيته مثلاً وكان مرتكباً ما يعد شركاً كيفما كان ، ومن أولئك عبدة القبور الناذرون لها المعتقدون للنفع والضر ممن الله تعالى أعلم بحاله فيها وهم اليوم أكثر من الدود ، واحتجت الكرامية بالآية على أن الأيمان مجرد الإقرار باللسان وفيه نظر .
* ( أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) *
.
* ( أَفَأَمنُوا أَنْ تَأْتيَهُمْ غَاشيَةٌ منْ عَذَاب الله ) * أي عقوبة تغشاهم وتشملهم ، والاستفهام إنكار فيه معنى التوبيخ والتهديد كما في البحر ، والكلام في العطف ومحل الاستفهام في الحقية مشهور وقد مر غير مرة ، والمراد بهذه العقوبة ما يعم الدنيوية والأخروية على ما قيل . وفي البحر ما هو صريح في الدنيوية للمقابلة بقوله سبحانه : * ( أَوْ تَأْتيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ) * فجأة من غير سابقة علامة وهو الظاهر * ( وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ) * بإتيانها غير مستعدين لها .
* ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) *
.
* ( قُلْ هَذه سَبيلي ) * أي هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي كذا قالوا ، والظاهر أنهم أخذوا الدعوة إلى الإيمان من قوله تعالى : * ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ) * ( يوسف : 103 ) لإفادة أنه يدعوهم إلى الإيمان بجد وحرص وان لم ينفع فيهم ، والدعوة إلى التوحيد من قوله سبحانه : * ( وما يؤمن أكثرهم ) * ( يوسف : 106 ) لدلالته على أن كونه ذكراً لهم لاشتماله على التوحيد لكنهم لا يرفعون له رأساً كسائر آيات الآفاق والأنفس الدالة على توحده تعالى ذاتاً وصفات ، وفسر ذلك بقوله تعالى : * ( أَدْعُوا إلىَ الله ) * أي أدعو الناس إلى معرفته سبحانه بصفات كماله ونعوت جلاله ومن جملتها التوحيد فالجملة لا محل لها من الإعراب ، وقيل : إن الجملة في موضع الحال من الياء والعامل فيها معنى الإشارة . وتعقب بأن الحال في مثله من المضاف إليه مخالفة للقواعد ظاهراً وليس ذلك مثل * ( أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ) * ( النحل : 123 ) واعترض أيضاً بأن فيه تقييد الشئ بنفسه وليس ذاك * ( عَلَى بَصيرَة ) * أي بيان وحجة واضحة غير عمياء ، والجار والمجرور في موضع الحال من ضمير * ( أدعو ) * وزعم أبو حيان أن الظاهر تعلقه - بأدعو - وقوله تعالى : * ( أَنَا ) * تأكيد لذلك الضمير أو للضمير الذي في الحال ، وقوله تعالى : * ( وَمَن اتَّبَعَني ) * عطف على ذي الحال ، ونسبة * ( أدعو ) * إليه من باب التغليب كما قرر في قوله تعالى : * ( اسكن أنت وزوجك الجنة ) * ( البقرة : 35 ) ومنهم من قدر في مثله فعلا عاملاً في المعطوف ولم يعول عليه المحققون ، ومنع عطفه على * ( أنا ) * لكونه تأكيداً ولا يصح في المعطوف كونه تأكيداً كالمعطوف عليه . واعترض بأن ذلك غير لازم كما يقتضيه كلام المحققين ، وجوز كون * ( من ) * مبتدأ خبره محذوف أي ومن اتبعني كذلك أي داع وأن يكون * ( على بصيرة ) * خبراً مقدماً * ( وأنا ) * مبتدأ * ( ومن ) * عطف عليه ، وقوله تعالى : * ( وَسُبْحَانَ الله ) * أي وأنزهه سبحانه وتعالى تنزيهاً من الشركاء ، وهو داخل تحت القول وكذا * ( وَمَا أنَا منَ الْمُشْركينَ ) * في وقت من الأوقات ، والكلام مؤكد لما سبق من الدعوة إلى الله تعالى . وقرأ عبد الله * ( قل هذا سبيلي ) * على التذكير والسبيل تؤنث وقد تذكر .
* ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآَخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) *
.
* ( وعمَا أَرْسَلْنَا منْ قَبْلكَ إلاَّ رجَالاً ) * رد لقولهم : * ( لو شاء ربنا لأنزل ملائكة ) * ( فصلت : 14 ) نفي له ، وقيل : المراد نفي استنباء النساء ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . وزعم
تفسير الآلوسي — صفحة 67
مساهمون: الآلوسي
ص٦٧