إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى * فكن حجراً من يابس الصخر جلمد
ثم اتسع فيه فقيل فنده إذا ضعف رأيه ولامه على ما فعل ؛ قال الشاعر : يا عاذلي دعا لومي وتفنيدي * فليس ما قلت من أمر بمردود
وجاء أفند الدهر فلاناً أفسده ، قال ابن مقتل . دع الدهر يفعل ما أراد فإنه * إذا كلف الإفناد بالناس أفندا
ويقال : شيخ مفند إذا فسد رأيه ، ولا يقال : عجوز مفندة لأنها لا رأي لها في شبيبتها حتى يضعف قاله الجوهري وغيره من أهل اللغة ، وذكره الزمخشري في " الكشاف " وغيره ، واستغربه السمين ولعل وجهه أن لها عقلاً وإن كان ناقصاً يشتد نقصه بكبر السن فتأمل ، وجواب * ( لولا ) * محذوف أي لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني أو لقلت : إن يوسف قريب مكانه أو لقاؤه أو نحو ذلك ، والمخاطب قيل : من بقي من ولده غير الذين ذهبوا يمتارون وهم كثير ، وقيل : ولد ولده ومن كان بحضرته من ذوي قرابته وهو المشهور .
* ( قَالُواْ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ) *
.
* ( قَالُواْ ) * أي أولئك المخاطبون * ( تَالله إنَّكَ لَفي ضَلَالكَ الْقَديم ) * أي لفي ذهابك عن الصواب قدماً بالإفراط في محبة يوسف والإكثار من ذكره والتوقع للقائه وجعله فيه لتمكنه ودوامه عليه ، وأخرج ابن جرير عن مجاهد أن الضلال هنا بمعنى الحب ، وقال مقاتل : هو الشقاء والعناء ، وقيل : الهلاك والذهاب من قولهم : ضل الماء في اللبن أي ذهب فيه وهلك . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير تفسيره بالجنون وهو مما لا يليق وكأنه لتفسير بمثل ذلك قال قتادة : لقد قالوا كلمة غليظة لا ينبغي أن يقولها مثلهم لمثله عليه السلام ولعلهم إنما قالوا ذلك لظنهم أنه مات .
* ( فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) *
.
* ( فَلَمَّا أن جَاءَ الْبَشيرُ ) * قال مجاهد . هو يهوذا . روي أنه قال لإخوته قد علمتم أني ذهبت إلى أبي بقميص الترحة فدعوني أذهب إليه بقميص الفرحة فتركوه . وفي رواية عن ابن عباس أنه مالك بن ذعر والرواية الشهيرة عنه ما تقدم ، و * ( أن ) * صلة وقد أطردت زيادتها بعد لما . وقرأ ابن مسعود وعد ذلك قراءة تفسير * ( وجاء البشير من بين يدي العير ) * * ( أَلْقَياهُ ) * أي ألقى البشير القميص * ( عَلَى وَجْهه ) * أي وجه يعقوب عليه السلام ، وقيل : فاعل * ( ألقى ) * ضمير يعقوب عليه السلام أيضاً والأول أوفق بقوله : * ( فألقوه ) * على وجه أبي وهو يبعد كون البشير مالكاً كما لا يخفى ، والثاني قيل : هو الأنسب بالأدب ونسب ذلك إلى فرقد قال : إنه عليه السلام أخذه فشمه ثم وضعه على بصره * ( فارْتَدَّ بَصيراً ) * والظاهر أنه أريد بالوجه كله ، وقد جرت العادة أنه متى وجد الإنسان شيئاً يعتقد فيه البركة مسح به وجهه ، وقيل : عبر بالوجه عن العينين لأنهما فيه ، وقيل : عبر بالكل عن البعض * ( وارتد ) * عند بعضهم من أخوات كان وهي بمعنى صار - فبصيراً - خبرها وصحح أبو حيان أنها ليست من أخواتها - فبصيرا - حال ، والمعنى أنه رجع إلى حالته الأولى من سلامة البصر .
وزعم بعضهم أن في الكلام ما يشعر بأن بصره صار أقوى مما كان عليه لأن فعيلاً من صيغ المبالغة وما عدل من يفعل إليه إلا لهذا المعنى . وتعقب بأن فعيلاً هنا ليس للمبالغة إذ ما يكون لها هو المعدول عن فاعل وأما * ( بصير ) * هنا فهو اسم فاعل من بصر بالشيء فهو جار على قياس فعل نحو ظرف فهو طريف ولو كان
تفسير الآلوسي — صفحة 54
مساهمون: الآلوسي
ص٥٤