* ( وَأَعْلَمُ منَ الله ) * اي من لطفه ورحمته * ( مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) * فأرجو أن يرحمني ويلطف بي ولا يخيب رجائي ، فالكلام على حذف مضاف و * ( من ) * بيانية قدمت على المبين وقد جوزه النحاة . وجوز أن تكون ابتدائية أي أعلم ويحا أو إلهاماً أو بسبب من أسباب العلم من جهته تعالى ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه السلام .
قيل : إنه عليه السلام علم ذلك من الرؤيا حسبما تقدم ، وقيل إنه رأى ملك الموت في المنام فأخبره أن يوسف حي ذكره غيره واحد ولم يذكروا له سنداً والمروى عن ابن أبي حاتم عن النضر أنه قال : بلغني أن يعقوب عليه السلام مكث أربعة وعشرين عاماً لا يدري أيوسف عليه السلام حي أم ميت حتى تمثل له ملك الموت عليه السلام فقال له : من أنت ؟ قال : أنا ملك الموت فقال : أنشدك باله يعقوب هل قبضت روح يوسف ؟ قال : لا فعند ذلك قال عليه السلام :
* ( يا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) *
.
* ( يَا بَنيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا ) * أي فتعرفوا ، وهو تفعل من الحس وهو في الأصل الإدراك بالحاسة ، وكذا أصل التحسس طلب الإحساس ، واستعماله في التعرف استعمال له في لازم معناه وقريب منه التجسس بالجيم ، وقيل : إنه به في الشر وبالحاء في الخير ورد بأنه ، قرئ هنا * ( فتجسسوا ) * بالجيم أيضاً ، وقال الراغب : أصل الجس مس العرق وتعرف نبضه للحكم به على الصحة والمرض وهو أخص من الحس فإنه تعرف ما يدركه الحس والجس تعرف حال ما من ذلك * ( منْ يُوسُفَ وَأَخيه ) * أي من خبرهما ، ولم يذكر الثالث لأن غيبته اختيارية لا يعسر إزالتها ، وعلى فرض ذلك الداعية فيهم للتحسس منه لكونه أخاهم قوية فلا حاجة لأمرهم بذلك ، والجار متعلق بما عنده وهو بمعنى عن بناء على ما نقل عن ابن الأنباري أنه لا يقال : تحسست من فلان ، وإنما يقال : تحسست عنه ، وجوز أن تكون للتبعيض على معنى تحسوا خبراً من أخبار من أخبار يوسف وأخيه .
* ( وَلاَ تَيْأَسُوا منْ رَوْح الله ) * أي لا تقنطوا من فرجه سبحانه وتنفيسه ، وأصل معنى الروح بالفتح كما قال الراغب التنفس يقال : أراح الإنسان إذا تنفس ثم استعير للفرج كما قيل : له تنفيس من النفس .
وقرأ عمر بن عبد العزيز . والحسن . وقتادة * ( روح ) * بالضم ، وفسر بالرحمة على أنه استعارة من معناها المعروف لأن الرحمن سبب الحياة كالروح وإضافتها إلى الله تعالى لأنها منه سبحانه ، وقال ابن عطية كأن معنى هذه القراءة لا تيأسوا من حي معه روح الله الذي وهبه فإن كل من بقيت روحه يرجى ، ومن هذا قوله : وفي غير من قدورات الأرض فاطمع
وقول عبيد بن الأبرص : وكل ذي غيبة يؤب * وغائب الموت لا يؤب
وقرأ أبي * ( من رحمة الله ) * وعبد الله * ( من فضل الله ) * وكلاهما عند أبي حيان تفسير لا قراءة . وقرئ * ( تأيسوا ) * .
وقرأ الأعرج * ( تيئسوا ) * بكسر التاء والأمر والنهي على ما قيل إرشاد لهم إلى بعض ما أبهم في قوله : * ( وأعلم من الله ما لا تعلمون ) * ( يوسف : 86 ) ثم إنه عليه السلام حذرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله : * ( إنَّهُ ) * أي الشأن * ( لاَ يَيْأَسُ منْ رَوْح الله إلاَّ القَوْمُ الكَافرُونَ ) * لعدم علمه بالله تعالى وصفاته فإن العارف لا يقنط في حال من الأحوال أو تأكيداً لما يعلمونه من ذلك ، قال ابن عباس : إن المؤمن من الله تعالى على خير يرجوه
تفسير الآلوسي — صفحة 44
مساهمون: الآلوسي
ص٤٤