السلام بوحي من الله تعالى لما علم سبحانه في ذلك من الصلاح ولما أراد من محنتهم بذلك ، ويؤيده قوله سبحانه : * ( وكذلك كدنا ليوسف ) * ( يوسف : 76 ) وقرأ اليماني * ( إنكم سارقون ) * بلا لام .
* ( قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ ) *
.
* ( قَالُواْ ) * أي الإخوة * ( وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهمْ ) * أي على طالبي السقاية المفهوم من الكلام أو على المؤذن إن كان أريد منه جمع كأنه عليه السلام جعل مؤذنين ينادون بذلك على ما في " البحر " ، والجملة في موضع الحال من ضمير * ( قالوا ) * جئ بها للدلالة على انزعاجهم مما سمعوه لمباينته لحالهم أي قالوا مقبلين عليهم * ( مَاذَا تَفْقُدونَ ) * أي أي شئ تفقدون أو ما الذي تفقدونه ؟ والققد كما قال الراغب : عدم الشئ بعد وجوده فهو أخص من العدم فإنه يقال له ولما لم يوجد أصلاً ، وقيل : هو عدم الشئ بأن يضل عنك لا بفعلك ، وحاصل المعنى ما ضاع منكم ؟ وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة .
وقرأ السلمي * ( تفقدون ) * بضم التاء من أفقدته إذا وجدته فقيداً نحو أحمدته إذا وجدته محمودا . وضعف أبو حاتم هذه القراءة ووجهها ما ذكر ، وعلى القراءتين فالعدول عما يقتضيه الظاهر من قولهم : ماذا سرق منكم على ما قيل لبيان كمال نزاهتهم بإظهار أنه لم يسرق منهم شئ فضلاً عن أن يكونوا هم السارقين له ، وإنما الممكن أن يضيع منهم شئ فيسألونهم ماذا ؟ ، وفيه إرشاد لهم إلى مراعاة حسن الأدب والاحتراز عن المجازفة ونسبة البراء إلى ما لا خير فيه لا سيما بطريق التأكيد فلذلك غيروا كلامهم حيث قالوا في جوابهم :
* ( قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ) *
.
* ( قَالُوا نَفْقُد صُوَاعَ الْمَلك ) * ولم يقولوا سرقتموه أو سرق ، وقيل : كان الظاهر أن يبادروا بالإنكار ونفى أن يكونوا سارقين ولكنهم قالوا ذلك طلباً لإكمال الدعوى إذ يجوز أن يكون فيها ما تبطل به فلا تحتاج إلى خصام ، وعدلوا عن ماذا سرق منكم ؟ إلى ما في " النظم الجليل " لما ذكر آنفاً ، والصواع بوزن غراب المكيال وهو السقاية ولم يعبر بها مبالغة في الإفهام والإفصاح ؛ ولذا أعاد الفعل ، وصيغة المستقبل لما تقدم أو للمشاكلة .
وقرأ الحسن . وأبو حيوة . وابن جبير فيما نقل ابن عطية كما قرأ الجمهور إلا أنهم كسروا الصاد ، وقرأ أبو هريرة . ومجاهد * ( صاع ) * بغير واو على وزن فعل فالألف فيه بدل من الواو المفتوحة . وقرأ أبو رجاء * ( صوع ) * بوزن قوس .
وقرأ عبد الله بن عون بن أبي أرطبان * ( صوع ) * بضم الصاد وكلها لغات في الصاع ، وهو مما يذكر ويؤنث وأبو عبيدة لم يحفظ التأنيث ، وقرأ الحسن . وابن جبير فيما نقل عنهما صاحب اللوامح ، * ( صواغ ) * بالغين المعجمة على وزن غراب أيضاً ، وقرأ يحيى بن يعمر كذلك إلا أنه حذف الألف وسكن الواو ، وقرأ زيد بن علي * ( صوغ ) * على أنه مصدر من صاغ يصوغ أريد به المفعول ، وكذا يراد من صواغ وصوغ في القراءتين أي نفقد مصوغ الملك * ( وَلمَنْ جَاءَ به ) * أي أتى به مطلقاً ولو من عند نفسه ، وقيل : من دل على سارقه وفضحه * ( حمْلُ بَعير ) * أي من الطعام جعلا له ، والحمل على ما في " مجمع البيان " بالكسر لما انفصل وبالفتح لما اتصل ، وكأنه أشار إلى ما ذكره الراغب من أن الحمل بالفتح يقال في الأثقال المحمولة في الباطن كالولد في البطن والماء في السحاب والثمرة في الشجرة * ( وَأَنَا به زَعيمٌ ) * أي كفيل أؤديه إليه وهو قول المؤذن .
واستدل بذلك كما في الهداية وشروحها على جواز تعليق الكفالة بالشروط لأنه مناديه علق الالتزام
تفسير الآلوسي — صفحة 25
مساهمون: الآلوسي
ص٢٥