تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
إسكانهم للزراعة ولما قال : * ( عند بيتك المحرم ) * أثبت أنه مكان عبادة فلما قال : * ( ليقيموا ) * أثبت أن الإقامة عنده عبادة وقد نفى كونها للكسب فجاء الحصر مع ما في * ( ربنا ) * من الإشارة إلى أن ذلك هو المقصود . وعن مالك أن التعليل يفيد الحصر ، فقد استدل بقوله تعالى : * ( لتركبوها ) * على حرمة أكلها وفي " الكشف " أن استفادة الحصر من تقدير محذوف مؤخر يتعلق به الجار والمجرور أي ليقوموا أسكنتهم هذا الإسكان ، أخبر أولاً أنه أسكنهم ، بواد قفر فأدمج فيه حاجتهم إلى الوافدين وذكر وجه الإيثار لشرف الجوار بقوله : * ( عند بيتك المحرم ) * ثم صر ثانياً بأنه إنما آثر ذلك ليعمروا حرمك المحرم وبنى عليه الدعاء الآتي ، ومن الدليل على أنه غير متعلق بالمذكور تخلل * ( ربنا ) * ثانياً بين الفعل ومتعلقه وهذا بين ولا وجه لاستفادة ذلك من تكرار * ( ربنا ) * إلا من هذا الوجه اه كرنا أولاً في وجه الاستفادة وقال : إنه معنى لطيف ولا ينافيه الفصل بالنداء لأنه اعتراض لتأكيد الأول وتذكيره فهو كالمنبه عليه فلا حاجة إلى تعلق الجار بمحذوف مؤخر واستفادة الحصر من ذلك ، وهو الذي ينبغي أن يعول عليه ، ويجعل النداء مؤكداً للأول يندفع ما قيل : إن النداء له صدر الكلام فلا يتعلق ما بعده بما قبله فلا بد من تقدير متعلق ، ووجه الاندفاع ظاهر ، وقيل : اللام لام الأمر والفعل مجزوم بها ، والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها ولا يخفى بعده ، وأبعد منه ما قاله أبو الفرج بن الجوزي : أن اللام متعلقة بقوله : * ( أجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) * ( إبراهيم : 35 ) وفي قوله : * ( ليقيموا ) * بضمير الجمع على ما في " البحر " دلالة على أن الله تعالى أعلمه بأن ولده إسماعيل عليه السلام سيعقب هنالك ويكون له نسل * ( فاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاس ) * أي أفئدة من أفئدتهم * ( تَهْوَى إلَيْهِمْ ) * أي تسرع إليهم شوقاً ووداداً - فمن - للتبعيض ، ولذا قيل : لو قال عليه السلام : أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ، وهو مبني على الظاهر من إجابة دعائه عليه السلام وكون الجمع المضاف يفيد الاستغراق . وروى عن ابن جبير أنه قال : لو قال عليهم السلام : أفئدة الناس لحجت البيت اليهود والنصارى . وتعقب بأنه غير مناسب للمقام إذ المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهها إلى البيت للحج وإلا لقيل تهوى إليه فإنه عين الدعاء بالبلدية قد حكى بعبارة أخرى اه‍ . وأنت تعلم أنه لا منافاة بين الشرطية في المروى وكون المسؤول توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم ، وقد جاء نحو تلك الشرطية عن ابن عباس ، ومجاهد كما في " الدر المنثور " . وغيره ، على أن بعضهم جعل هذا دعاء بتوجيه القلوب إلى البيت . فقد أخرج ابن أبي شيبة . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن الحكم قال : سألت عكرمة . وطاوساً . وعطاء بن أبي رباح عن هذه الآية * ( فاجعل ) * إلى آخره فقالوا : البيت تهوى إليه قلوبهم يأتونه ، وفي لفظ قالوا : هواهم إلى مكة أن يحجوا ؛ نعم هو خلاف الظاهر ، وجوز أن تكون * ( من ) * للابتداء كما في قولك : القلب منه سقيم تريد قلبه فكأنه قيل : أفئدة ناس ، واعترضه أبو حيان بأنه لا يظهر كونها للابتداء لأنه لا فعل هنا يبتدأ فيه لغاية ينتهي إليها إذ لا يصح ابتداء جعل أفئدة من الناس . وتعقبه بعض الأجلة بقوله : وفيه بحث فإن فعل الهوى للأفئدة يبتدأ به لغاية ينتهي إليها ، ألا يرى إلى قوله : * ( إليهم ) * وفيه تأمل اه‍ وكأن فيه إشارة إلى ما قيل : من أن الابتداء في * ( من ) * الابتدائية إنما هو من متعلقها لا مطلقاً ، وإن جعلناها متعلقة - بتهوى - لا يظهر لتأخيره ولتوسيط الجار فائدة ، وذكر مولانا الشهاب في توجيه الابتداء وترجيحه على التبعيض كلاماً لا يخلو
تفسير الآلوسي — صفحة 238 | الآلوسي