تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
الرسول الذي بعث إليكم ؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئاً فذلك قوله تعالى : * ( ويضل الله الظالمين ) * : * ( وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) * من تثبيت بعض واضلال بعض آخرين حسبما توجبه مشيئته التابعة للحكم البالغة المقتضية لذلك ، وفي إظهار الاسم الجليل في الموضعين من الفخامة وتربية المهابة ما لا يخفى مع ما فيه - كما قيل - من الإيذان بالتفاوت في مبادئ التثبيت والإضلال فإن مبدأ صدور كل منهما عنه سبحانه وتعالى من صفاته العلا غير ما هو مبدأ صدور الآخر ، وفي ظاهر الآية من الرد على المعتزلة ما فيها . * ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) * . * ( أَلَمْ تَرَ ) * تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد مما صنع الكفرة من الأباطيل أي ألم تنظر * ( إلَى الَّذينَ بَدَّلُواْ نعْمَتَ الله ) * أي شكر نعمته تعالى الواجب عليهم ووضعوا موضعه * ( كُفْراً ) * عظيماً وغمطاً لها ، فالكلام على تقدير مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه وهو المفعول الثاني و * ( كفراً ) * المفعول الأول ، وتوهم بعضهم عكس ذلك ، وقد لا يحتاج إلى تقدير على معنى أنهم بدلوا النعمة نفسها كفراً لأنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبيها موصوفين بالكفر ، وقد ذكر هذا كالأول الزمخشري ، والوجهان كما في الكشف خلافاً لما قرره الطيبي وتابعه عليه غيره متفقان في أن التبديل ههنا تغيير في الذات إلا أنه واقع بين الشكر والكفر أو بين النعمة نفسها والكفر ، والمراد بهم أهل مكة فإن الله سبحانه أسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته وأكرمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا نعمة الله تعالى بدل ما ألزمهم من الشكر العظيم ، أو أصابهم الله تعالى بالنعمة والسعة لإيلافهم الرحلتين فكفروا نعمته سبحانه فضربهم جل جلاله بالقحط سبه سنين وقتلوا وأسروا يوم بدر فحصل لهم الكفر بدل النعمة وبقي ذلك طوقا في أعناقهم . وأخرج الحاكم وصححه . وابن جرير . والطبراني . وغيرهم من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في هؤلاء المبدلين : هما إلا فجران من قريش بنو أمية . وبنوا المغيرة فأما بنو المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين . وأخرج البخاري في تاريخه . وابن المنذر . وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك . وجاء في رواية كما في جامع الأصول هم والله كفار قريش . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم ، ولعله رضي الله تعالى عنه لا يريد أنها نزلت في جبلة ومن معه لأن قصتهم كانت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وإنما يريد أنها تخص من فعل جبلة إلى يوم القيامة * ( وَأَحَلُّوا ) * أي أنزلوا * ( قعوْمَهُمْ ) * بدعوتهم إياهم لما هم فيه من الضلال ، ولم يتعرض لحلولهم لدلالة الاحلال عليه إذ هو فرع الحلول كما قالوا في قوله تعالى في فرعون : * ( يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ) * ( هود : 98 ) * ( دَارَ البَوَار ) * أي الهلاك من باريبور بواراً وبوراً ، قال الشاعر : فلم أر مثلهم أبطال حرب * غداة الحرب إذ خيف البوار وأصله - كما قال الراغب - فرط الكساد ، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل كسد حتى فسد عبر به عن الهلاك . * ( جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ) * . * ( جَهنَّمَ ) * عطف بيان للدار ، وفي الإبهام ثم البيان ما لا يخفى من التهويل ، وأعربه الحوفي وأبو البقاء بدلاً منها ، وقوله تعالى : * ( يَصْلَوْنَهَا ) * أي يقاسون حرها حال من الدار أو من * ( جهنم ) * أو من * ( قومهم ) * أو استئناف لبيان كيفية الحلول ، وجوز أبو البقاء كون * ( جهنم ) * منصوباً على الاشتغال أي يصلون