تعالى المكر الذي باشروه جميعاً لا لهم ، على معنى أن ذلك ليس مكراً منهم بالأنبياء بل هو بعينه مكر من الله تعالى بهم وهم لا يشعرون حيث لا يحيق المكر السيء إلا بأهله * ( وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ ) * حين يأتيهم العذاب * ( لمَنْ عُقْبَى الدَّار ) * أي العاقبة الحميدة من الفريقين وإن جهل ذلك قبل ، وقيل : السين لتأكيد وقوع ذلك وعلمه به حينئذٍ ، والمراد من الكافر الجنس فيشمل سائر الكفار ، وهذه قراءة الحرميين . وأبي عمرو ، وقرأ باقي السبعة * ( وسيعلم الكفار ) * بصيغة جمع التكسير .
وقرأ ابن مسعود * ( الكافرون ) * بصيغة جمع السلامة ، وقرأ أبي * ( الذين كفروا ) * وقرأ * ( الكفر ) * أي أهله ، وقرأ جناح بن حبيس * ( وسيعلم ) * بالبناء للمفعول من أعلم أي سيخبر واللام للنفع ، وجوز أن تكون للملك على معنى سيعلم الكفرة من يملك الدنيا آخراً ، وفسر عطاء * ( الكافر ) * بالمستهزئين وهم خمسة والمقسمين وهم ثمانية وعشرون ، وقال ابن عباس : يريد بالكافر أبا جهل ، وما تقدم هو الظاهر ، ولعل ما ذكر من باب التمثيل .
* ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى باللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَاب ) *
.
* ( وَيَقُولُ الَّذينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلاً ) * قيل : قاله رؤساء اليهود .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : " قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أسقف من اليمن فقال له عليه الصلاة والسلام : هل تجدني في الإنجيل رسولاً ؟ قال : لا . فأنزل الله تعالى الآية ، فالمراد من الذين كفروا على هذا هذا ومن وافقه ورضي بقوله ، وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة كلمتهم الشنعاء تعجيباً منها أو للدلالة على تجدد ذلك منهم واستمراره * ( قُلْ كَفَى بالله شَهيداً بَيْني وَبَيْنَكُمْ ) * فإنه جل وعلا قد أظهر على رسالتي من الأدلة والحجج ما فيه غني عن شهادة شاهد آخر ، وتسمية ذلك شهادة مع أنه فعل وهي قول مجاز من حيث أنه يغني غناها بل هو أقوى منها * ( وَمَنْ عنْدَهُ علْمُ الكتَاب ) * أي علم القرآن وما عليه من النظم المعجز ، قيل : والشهادة إن أريد بها تحملها فالأمر ظاهر وإن أريد أداؤها فالمراد بالموصول المتصف بذلك العنوان من ترك العناد وآمن .
وفي " الكشف " أن المعنى كفى هذا العالم شهيداً بيني وبينكم ، ولا يلزم من كفايته في الشهادة أن يؤديها فمن أداها فهو شاهد أمين ولم لم يؤدها فهو خائن ، وفيه تعريض بليغ بأنهم لو أنصفوا شهدوا ، وقيل : المراد * ( بالكتاب ) * التوراة والإنجيل ، والمراد بمن عنده علم ذلك الذين أسلموا من أهل الكتابين كعبد الله بن سلام . وإضرابه فإنهم يشهدون بنعته عليه الصلاة والسلام في كتابهم وإلى هذا ذهب قتادة ، فقد أخرج عبد الرزاق . وابن جرير . وابن المنذر عنه أنه قال في الآية : كان من أهل الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم عبد الله بن سلام . والجارود . وتميم الداري . وسلمان الفارسي ، وجاء عن مجاهد . وغيره وهي رواية عن ابن عباس أن المراد بذلك عبد الله ولم يذكروا غيره .
وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب قال : جاء عبد الله بن سلام حتى أخذ بعضادتي باب المسجد ثم قال : أنشدكم بالله تعالى أتعلمون أني الذي أنزلت فيه * ( ومن عنده علم الكتاب ) * ؟ قالوا : اللهم نعم . وأنكر ابن جبير ذلك ، فقد أخرج سعيد بن منصور وجماعة عنه أنه سئل أهذا الذي عنده علم الكتاب هو عبد الله بن سلام ؟ فقال : كيف وهذه السورة مكية . والشعبي أنكر أن يكون شئ من القرآن نزل فيه
تفسير الآلوسي — صفحة 175
مساهمون: الآلوسي
ص١٧٥