الذي تحمله في بطنها من حين العلوق إلى زمن الولادة لا بعد تكامل الخلق فقط ، وجوز أن تكون نكرة موصوفة و * ( يعلم ) * قيل متعدية إلى واحد فهي عرفانية ، ونظر فيه بأن المعرفة لا يصح استعمالها في علم الله تعالى وهو ناشئ من عدم المعرفة بتحقيق ذلك وقد تقدم ، وجوز أن تكون استفهامية معلقة - ليعلم - وهي مبتدأ أو مفعول مقدم والجملة سادة مسد المفعولين ، أي يعلم أي شئ تحمل وعلى أي حال هو من الأحوال المتواردة عليه طوراً فطوراً ، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر المتبادر ، وكما جوز في * ( ما ) * هذه الأوجه جوزت في ما بعدها أيضاً ، ووجه مناسبة الآية لما قبلها قد علم مما سبق ، وقيل : وجهها أنه لما تقدم إنكارهم البعث وكان من شبههم تفرق الأجزاء واختلاط بعضها ببعض بحيث لا يتهيأ الامتياز بينها نبه سبحانه بهذه الآية على إحاطة علمه جل شأنه إزاحة لشبهتهم ؛ وقيل : وجهها أنهم لما استعجلوا بالسيئة نبه عز وجل على إحاطة علمه تعالى ليفيد أنه جلت حكمته إنما ينزل العذاب حسبما يعلم من المصلحة والحكمة ، وفي مصحف أبي ومر ما قيل في نظيره * ( ما تحمل كل أنثى وما تضع ) * * ( وَمَا تَغيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ ) * أي ما تنقصه وما تزداده في الجثة كالخديج والتام وروي ذلك عن ابن عباس ، وفي المدة كالمولود في أقل مدة الحمل والمولود في أكثرها وفيما بينهما وهو رواية أخرى عن الحبر ، قيل : إن الضحاك ولد لسنتين ، وإن هرم بن حيان لأربع ومن ذلك سمي هرماً ، وإلى كون أقصى مدة الحمل أربع سنين ذهب الشافعي ، وعند مالك أقصاها خمس ، وعند الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أقصاها سنتان وهو المروى عن عائشة رضي الله تعالى عنها ، فقد أخرج ابن جرير عنها لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما تتحرك فلكة مغزل ، وفي العدد كالواحد فما فوق ، قيل : ونهاية ما عرف أربعة فإنه يروى أن شريك بن عبد الله ابن أبي نمير القرشي كان رابع أربعة وهو الذي وقف عليه إمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وقال الشافعي عليه الرحمة : أخبرني شيخ باليمن أن امرأته ولدت بطوناً في كل بطن خمسة وهذا من النوادر ، وقد اتفق مثله لكن ما زاد على اثنين لضعفه لا يعيش إلا نادراً .
وما يحكى أنه ولد لبعضهم أربعون في بطن واحدة كل منهم مثل الإصبع وأنهم عاشوا كلهم فالظاهر أنه كذب ، وقيل : المراد نقصان دم الحيض وازدياده وروي ذلك عن جماعة ، وفيه جعل الدم في الرحم كالماء في الأرض يغيض تارة ويظهر أخرى ، وغاض جاء متعدياً ولازماً كنقص وكذا ازداد وهو مما اتفق عليه أهل اللغة ، فإن جعلتهما لازمين لا يجوز أن تكون * ( ما ) * موصولة أو موصوفة لعدم العائد ، وإسناد الفعلين كيفما كانا إلى الأرحام فإنهما على اللزوم لما فيها وعلى التعدي لله جل شأنه وعظم سلطانه * ( وَكُلُّ شَئ ) * من الأشياء * ( عنْدَهُ ) * سبحانه * ( بمقْدَار ) * بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه كقوله تعالى : * ( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) * ( القمر : 49 ) فإن كل حادث من الاعراض والجواهر له في كل مرتبة من مراتب التكوين ومباديها وقت معين وحال مخصوص لا يكاد يجاوزه ولعل حال المعدوم معلوم بالدلالة إذا قلنا : إن الشئ هو الموجود و * ( عند ) * ظرف متعلق بمحذوف وقع صفة لشيء أو لكل و * ( بمقدار ) * خبر * ( كل ) * وجوز أن يكون الظرف متعلقاً بمحذوف وقع حالاً من - مقدار - وهو في الأصل صفة له لكنه لما قدم أعرب حالاً وفاءً بالقاعدة ؛ وأن يكون ظرفاً لما يتعلق به الجار ، والمراد بالعندية الحضور العلمي بل العلم الحضوري على ما قيل ، فإن تحقق الأشياء في أنفسها في أي مرتبة كانت من مراتب الوجود
تفسير الآلوسي — صفحة 109
مساهمون: الآلوسي
ص١٠٩