قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أسرح في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وحملة العرش يستغفرون له ما دام في ذلك المسجد ضوؤه " وأخرج أبو بكر الشافعي . وغيره عن أبي قرصافة قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين " وسمعته عليه الصلاة والسلام يقول " من بنى لله تعالى مسجداً بنى الله تعالى له بيتاً في الجنة فقالوا : يا رسول الله وهذه المساجد التي تبنى في الطرق . فقال عليه الصلاة والسلام : وهذه المساجد التي تبنى في الطرق " وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الغدو والرواح إلى المسجد من الجهاد في سبيل الله تعالى " وأخرج أحمد . والترمذي وحسنه . وابن ماجة . والحاكم وصححه . وجماعة عن أبي سعيد الخدري قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان وتلا صلى الله عليه وسلم إنما يعمر " الآية .
واستشكل ذكر إيتاء الزكاة في الآية بأنه لا تظهر مدخليته في العمارة ، وتكلف لذلك بأن الفقراء يحضرون المساجد للزكاة فتعمر بهم وأن من لا يبذل المال للزكاة الواجبة لا يبذله لعمارتها وهو كما ترى . والحق أن المقصود بيان أن من يعمر المساجد هو المؤمن الظاهر إيمانه وهو إنما يظهر بإقامة واجباته ، فعطف الإقامة والإيتاء على الإيمان للإشارة إلى ذلك * ( وَلَمْ يَخْشَ ) * أحد * ( إلاَّ اللَّهَ ) * فعمل بموجب أمره ونهيه غير آخذ له في الله تعالى لومة لائم ولا مانع له خوف ظالم فيندرج فيه عدم الخشية عند القتال الموبخ عليها في قوله سبحانه : * ( أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه ) * ( التوبة : 13 ) وأما الخوف الجبلي من الأمور المخوفة فليس من هذا الباب ولا هو مما يدخل تحت التكليف ، والخطاب والنهي في قوله تعالى : * ( خذها ولا تخف ) * ليس على حقيقته .
وقيل : كانوا يخشون الأصنام ويرجونها فأريد نفي تلك الخشية عنهم * ( فَعَسَى أُوْلئَكَ ) * المنعوتون بأكمل النعوت * ( أنْ يَّكُونُواْ منَ الْمهْتَدينَ ) * أي أبى الجنة وما أعد الله تعالى فيها لعباده كما روي عن ابن عباس . والحسن ، وإبراز اهتدائهم لذلك مع ما بهم من تلك الصفات الجليلة في معرض التوقع لحسم أطماع الكافرين عن الوصول إلى مواقف الاهتداء لأن هؤلاء المؤمنين وهم - هم - إذا كان أمرهم دائراً بين لعل وعسى فما بال الكفرة بيت المخازي والقبائح ، وفيه قطع اتكال المؤمنين على أعمالهم وما هم عليه وإرشادهم إلى ترجيح جانب الخوف على جانب الرجاء ، وهذا هو المناسب للمقام لا الأطماع وسلوك سنن الملوك مع كون القصد إلى الوجوب ، وكون الكفرة يزعمون أنهم محقون وأن غيرهم على الباطل فلا يتأتى حسم أطماعهم لا يلتفت إليه بعد ظهور الحق وهذا لا ريب فيه .
وقيل : إن الأوصاف المذكورة ، وإن أوجبت الاهتداء ، ولكن الثبات عليها مما لا يعلمه إلا الله تعالى وقد يطرأ ما يوجب ضد ذلك والعبرة للعاقبة ، فكلمة التوقع يجوز أن تكون لهذا ولا يخفى ما فيه فان النظر إلى العاقبة هنا لا يناسب المقام الذي يقتضي تفضيل المؤمنين عليهم في الحال ،
* ( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ باللَّهِ والْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ واللَّهُ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) * .
* ( أَجِعَلْتُمْ سقَايَةَ الْحَاجّ وَعَمارَةَ الْمَسْجد الْحَرَام كَمَنْ آمَنَ باللَّهَ وَالْيَوْم الآخر وَجَاهَدَ في سَبيل الله ) * السقاية والعمارة مصدر أسقي وعمر بالتخفيف إذ عمر المشدد يقال في عمر الإنسان لا في العمارة كما يتوهمه العوام ، وصحت الياء في سقاية لأن بعدها هاء التأنيث ، وظاهر الآية تشبيه الفعل بالفاعل والصفة بالذات وأنه
تفسير الآلوسي — صفحة 66
مساهمون: الآلوسي
ص٦٦