ومما يدل على أن المقام لنفي الافتخار ما أخرجه أبو الشيخ . وابن جرير عن الضحاك أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحمن وأغلظ عليه علي كرم الله تعالى وجهه في القول ، فقال : تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونقري الحجيج ونفك العاني فنزلت : وأخرج ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه * ( أوْلئكَ ) * أي المشركون المذكورون * ( حَبطَتْ أَعْمَالُهُم ) * التي يفتخرون بها بما قارنها من الكفر فصارت كلا شيء * ( وَفي النَّار هُمْ خَالدُونَ ) * لعظم ما ارتكبوه ، وإيراد الجملة اسمية للمبالغة في الخلود ، والظرف متعلق بالخبر قدم عليه للاهتمام به ومراعاة للفاصلة .
وهذه الجملة قيل : عطف على جملة * ( حبطت ) * على أنها خبر آخر لأولئك ، وقيل : هي مستأنفة كجملة * ( أولئك حبطت ) * وفائدتهما تقرير النفي السابق الأولى من جهة نفي استتباع الثواب والثانية من جهة نفي استدفاع العذاب .
* ( إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ باللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَواةَ وَآتَى الزَّكَوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) * .
إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجدَ اللَّهَ ) * اختلف في المراد بالمساجد هنا كما اختلف في المراد بها هناك ، خلا أن من قال هناك بأن المراد المسجد الحرام لا غير جوز هنا إرادة جميع المساجد قائلاً : إنها غير مخالفة لمقتضى الحال فإن الإيجاب ليس كالسلب وادعى أن المقصود قصر تحقق العمارة على المؤمنين لا قصر لياقتها وجوازها وأنا أرى قصر اللياقة لائقاً بلا قصور ، وقرئ بالتوحيد أي إنما يليق أن يعمرها * ( مَنْ آمَنَ باللَّه والْيَوْم الآخر ) * على الوجه الذي نطق به الوحي * ( وَأَقَامَ الصَّلاةَ وآتَى الزَّكَوةَ ) * التي أتي بهما الرسول صلى الله عليه وسلم فيندرج في ذلك الإيمان به عليه الصلاة والسلام حتماً إذ لا يتلقى ذلك إلا منه صلى الله عليه وسلم .
وجوز أن يكون ذكر الإيمان به عليه الصلاة والسلام قط طوى تحت ذكر الإيمان بالله تعالى دلالة على أنهما كشئ واحد إذا ذكر أحدهما فهم الآخر ، على أنه أشير بذكر المبدأ والمعاد إلى ما جيب الإيمان به أجمع ومن جملته رسالته صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إنما لم يذكر عليه الصلاة والسلام لأن المراد * ( بمن ) * هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه أي المستحق لعمارة المساجد من هذه صفته كائناً من كان ، وليس الكلام في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام والإيمان به بل فيه نفسه وعمارته المسجد واستحقاقه لها ، فالآية على حد قوله سبحانه : * ( إني رسول الله إليكم جميعاً ) * إلى قوله تعالى : * ( فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ) * ( الأعراف : 158 ) والوجه الثاني أولى . والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتزيينها بالفرش لا على وجه يشغل قلب المصلي عن الحضور ، ولعل ما هو من جنس ما يخرج من الأرض كالقطن والحصر السامانية أولى من نحو الصوف إذ قيل : بكراهة الصلاة عليه ، وتنويرها بالسرج ولو لم يكن هناك من يستضيء بها على ما نص عليه جمع ، وإدامة العبادة والذكر ودراسة العلوم الشرعية فيها ونحو ذلك ، وصيانتها مما لم تبن له في نظر الشارع كحديث الدنيا ، ومن ذلك الغناء على مأذنها كما هو معتاد الناس اليوم لا سيما بالأبيات التي غالبها هجر من القول . وقد وري عنه عليه الصلاة والسلام " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش " وهذا الحديث في الحديث المباح فما ظنك بالمحرم مطلقاً أو المرفوع فوق المآذن . وأخرج الطبراني بسند صحيح عن سلمان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر الله تعالى وحق على المزور أن يكرم الزائر " وأخرج سليم الرازي في الترغيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال :
تفسير الآلوسي — صفحة 65
مساهمون: الآلوسي
ص٦٥