تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
والجملة كما - قال العلامة الطيبي - مستأنفة كالتعليل لقوله تعالى : * ( وأكثرهم فاسقون ) * فيه أن من فسق وتمرد كان سببه مجرد اتباع الشهوات والركون إلى اللذات ، وفسر بعضهم الثمن القليل بما أنفقه أبو سفيان من الطعام وصرفه إلى الاعراب * ( فَصَدُّواْ ) * أي عدلوا وأعرضوا على أنه لازم من صد صدوداً أو صرفوا ومنعوا غيرهم على أنه متعد من صده عن الأمر صدا ، والفاء للدلالة على أن اشترائهم أداهم إلى الصدود أو الصد * ( عَن سَبيله ) * أي الدين الحق الموصل إليه تعالى ، والإضافة للتشريف ، أو سبيل بيته الحرام حيث كانوا يصدون الحجاج والعمار عنه ، فالسبيل إما مجاز وإما حقيقة ، وحينئذ إما أن يقدر في الكلام مضاف أو تجعل النسبة الإضافية متجوزاً فيها * ( أنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) * أي بئس ما كانوا يعملونه أو عملهم المستمر ، والمخصوص بالذم محذوف . وقد جوز أن يكون كلمة ساء على بابها من التصرف لازمة بمعنى قبح أو معتدية والمفعول محذوف أي ساءهم الذي يعملونه أو عملهم ، وإذا كان جارية مجرى بئس تحول إلى فعل بالضم ويمتنع تصرفها كما قرر في محله [ بم وقوله سبحانه : * ( لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ) * . * ( لاَ يَرْقُبُونَ في مُؤْمن إلاَّ وَلاَ ذمَّةً ) * نعى عليهم عدم مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الاطلاق بخلاف الأول لمكان * ( فيكم ) * فيه . وفي * ( مؤمن ) * في هذا فلا تكرار كما في المدارك ، وقيل : إنه تفسير لما يعملون ، وهو مشعر باختصاص الذم والسوء لعملهم هذا دون غيره ، وقيل : إن الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والاعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم للاستعانة بهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه فالمراد بالآيات ما يشمل القرآن والتوراة ، وفي هذا القول تفكيك للضمائر وارتكاب خلاف الظاهر . والجبائي يخص هذا باليهود وفيه ما فيه * ( وَأُوْلئكَ ) * أي الموصوفون بما عدد من الصفات السيئة * ( هُمْ الْمُعْتَدُونَ ) * المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة . * ( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَواةَ وَآتَوُاْ الزَّكَوةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآْيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) * . * ( فاَن تَابُواْ ) * عما هم عليه من الكفر وسائر العظائم كنقض العهد وغيره ، والفاء للإيذان بأن تقريعهم بما نعى عليهم من فظائع الأعمال مزجرة عنها ومظنة للتوبة * ( وَأَقَامُواْ الصَّلواةَ وَآتَوُاْ الزَّكَوةَ ) * على الوجه المأمور به * ( فَاخْوانُكُمْ ) * أي فهم اخوانكم * ( في الدِّين ) * لهم ما لكم وعليهم ما عليكم ، والجار والمجرور متعلق بإخوانكم - كما قال أبو البقاء - لما فيه من معنى الفعل ، قيل : والاختلاف بين جواب هذه الشرطية وجواب الشرطية السابقة مع اتحاد الشرط فيهما لما أن الأولى سيقت إثر الأمر بالقتل ونظائره فوجب أن يكون جوابها أمراً بخلاف هذه ، وهذه سيقت بعد الحكم عليهم بالاعتداء وأشباهه فلا بد من كون جوابها حكماً البتة ، وهذه الآية أجلب لقلوبهم من تلك الآية إذ فرق ظاهر بين تخلية سبيلهم وبين إثبات الأخوة الدينية لهم ، وبها استدل على تحريم دماء أهل القبلة ، وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وجاء في رواية ابن جرير . وأبي الشيخ عنه أنها حرمت قتال أو دماء أهل الصلاة والمآل واحد ، واستدل بها بعضهم على كفر تارك الصلاة إذ مفهومها نفي الأخوة الدينية عنه ، وما بعد الحق إلا الضلال ، ويلزمه القول بكفر مانع الزكاة أيضاً بعين ما ذكره ، وبعض من لا يقول بإكفارهما التزم تفسير إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالتزامهما والعزم على إقامتهما ولا شك في كفر من لم يلتزمهما بالاتفاق . وذكر بعض جلة الأفاضل أنه تعالى علق حصول الأخوة في الدين على مجموع الأمور الثلاثة التوبة وإقام الصلاة