تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
وتكرير كلمة عند للإيذان بعدم الاعتداد عند كل من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على حدة * ( إلاَّ الَّذينَ عَاهَدتُّم ) * وهم المستثنون فيما سلف والخلاف هو الخلاف والمعتمد هو المعتمد ، والتعرض لكون المعاهدة * ( عندَ الْمَسْجد الْحَرَام ) * لزيادة بيان أصحابها والأشعار بسبب وكادتها ، والاستثناء منقطع وهو بمعنى الاستدراك من النفي المفهوم المفهوم من الاستفهام الانكاري المتبادر شموله بجميع المعاهدين ومحل الموصول الرفع على الابتداء وخبره مقدر أو هو * ( فَمَا اسْتَقَامُوْا لَكُمْ فَاسْتَقيمُوْا لَهُمْ ) * والفاء لتضمنه معنى الشرط على ما مر و * ( ما ) * كما قال غير واحد إما مصدرية منصوبة المحل على الظرفية بتقدير مضاف أي فاستقيموا لهم مدة استقامتهم لكم وإما شرطية منصوبة المحل على الظرفية الزمانية أي أي زمان استقاموا لكم فاستقيموا لهم وهو أسلم من القيل صناعة من الاحتمال الأول على التقدير الثاني ، ويحتمل أن تكون مرفوعة المحل على الابتداء وفي خبرها الخلاف المشهور واستقيموا جواب الشرط والفاء واقعة في الجواب ، وعلى احتمال المصدرية مزيدة للتأكيد . وجوز أن يكون الاستثناء متصلاً ومحل الموصول النصب أو الجر على أنه بدل من المشركين لأن الاستفهام بمعنى النفي ، والمراد بهم الجنس لا المعهودون ، وأيا ما كان فحكم الأمر بالاستقامة ينتهى بانتهاء مدة العهد فيرجع هذا إلى الأمر بالاتمام المار خلا أنه قد صرح ههنا بما لم يصرح به هناك مع كونه معتبراً فيه قطعاً وهو تقييد الاتمام المأمور به ببقائهم على ما كانوا عليه من الوفاء ، وعلل سبحانه بقوله تعالى : * ( إنَّ اللَّهَ يُحبُّ الْمُتَّقينَ ) * على طرز ما تقدم حذو القذة بالقذة . * ( كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ) * . * ( كَيْفَ ) * تكرير لاستنكار ما مر من أن يكون للمشركين عهد حقيق بالمراعاة عند الله تعالى وعند رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : لاستبعاد ثباتهم على العهد وفائدة التكرار التأكيد والتمهيد لتعداد العلل الموجبة لما لا ذكر لا خلال تخلل ما في البين بالارتباط والتقريب ؛ وحذف الفعل المستنكر للايذان بأن النفس مستحضرة له مترقبة لورود ما يوجب استنكاره ، وقد ثر حذف الفعل المستفهم عنه مع كيف ويدل عليه بجملة حالية بعده ، ومن ذلك قوله كعب الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار : وخبر تماني أنما الموت في القرى * فكيف وهاتا هضبة وقليب يريد فكيف مات والحال ما ذكر ، والمراد هنا كيف يكون لهم عهد معتد به عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام * ( و ) * حالهم أنهم * ( إن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ ) * أي يظفروا بكم * ( لاَ يرْقُبُواْ فيكُمْ إلاَّ وَلاَ ذمَّةً ) * أي لم يراعوا في شأنكم ذلك ، وأصل الرقوب النظر بطريق الحفظ والرعاية ومنه الرقيب ثم استعمل في مطلق الرعاية ، والمراقبة أبلغ منه كالمراعاة ، وفي نفي الرقوب من المبالغة ما ليس في نفيهما ، وما ألطف ذكر الرقوب مع الظهور و * ( إلا ) * بكسر الهمزة وقد يفتح على ما روي عن ابن عباس الرحم والقرابة وأنشد قول حسان : لعمرك إن ألك من قريش * كال السقب من رأل النعام وإلى ذلك ذهب الضحاك ، وروي عن السدى أنه الحلف والعهد ، قيل : ولعله بهذا المعنى مشتق من الأل وهو الجوار لأنهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا أصواتهم ثم استعير للقرابة لأن بين القريبين عقدا أشد من عقد التحالف ، وكونه أشد لا ينافي كونه مسبهاً لأن الحلف يصرح به ويلفظ فهو أقوى من وجه آخر وليس التشبيه من المقلوب كما توهم ، وقيل : مشتق من ألل الشيء إذا حدده أو من أل البرق إذا لمع وظهر ووجه المناسبة ظاهر .
تفسير الآلوسي — صفحة 55 | الآلوسي