القعود مختلف أيضاً . وقرأ أبي * ( كذبوا ) * بالتشديد * ( سَيُصيبُ الَّذينَ كَفَرُوا منْهُمْ ) * أي من الاعراب مطلقاً وهم منافقوهم أو من المعتذرين ، ووجه التبعيض أن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره أي سيصيب المعتذرين لكفرهم * ( عَذَابٌ أَليمٌ ) * وهو عذاب النار في الآخرة ولا ينافي استحقاق من تخلف لكسل ، ذلك عندنا لعدم قولنا بالمفهوم ومن قال به فسر العذاب الأليم بمجموع القتل والنار والأول منتف في المؤمن المتخلف للكسل فينتفي المجموع ، وقيل : المراد بالموصول المصرون على الكفر .
* ( لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * .
* ( لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء ) * كالشيوخ ومن فيه نحافة خلقية لا يقوى على الخروج معها وهو جمع ضعيف ويقال : ضعوف وضعفان وجاء في الجمع ضعاف وضعفة وضعفي وضعافي * ( وَلاَ عَلَى المْرَضْىَ ) * جمع مريض ويجمع أيضاً على مراض ومراضي وهو من عراه سقم واضطراب طبيعة سواء كان مما يزول بسرعة ككثير من الأمراض أولا كالزمانة وعدوا منه ما لا يزول كالعمى والعرج الخلقيين فالأعمى والأعرج داخلان في المرضى وان أبيت فلا يبعد دخولهما في الضعفاء ، ويدل لدخول الأعمى في أحد المتعاطفين ما أخرج ابن أبي حاتم . والدارقطني في الافراد عن زيد بن ثابت قال : كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت براءة فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ما ينزل عليه إذ جاءه أعمى فقال : كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى ؟ فنزلت * ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) * .
* ( وَلاَ عَلَى الَّذينَ لاَ يَجدُونَ مَا يُنْفقُونَ ) * أي الفقراء العاجزين عن أهبة السفر والجهاد قيل هم مزينة . وجهينة . وبنو عذرة * ( حَرَجٌ ) * أي ذنب في التخلف وأصله الضيق وقد تقدم الكلام فيه * ( إذَا نَصَحُوا اللَّهَ وَرَسُوله ) * بالإيمان والطاعة ظاهراً وباطناً كما يفعل الموالي الناصح فالنصح مستعار لذلك ، وقد يراد بنصحهم المذكور بذل جهدهم لنفع الإسلام والمسلمين بأن يتعهدوا أمورهم وأهلهم وإيصال خبرهم إليهم ولا يكونوا كالمنافقين الذين يشيعون الأراجيف إذا تخلفوا ، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال : نصحته ونصحت له ، وفي النهاية النصيحة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة يجمعه غيرها ، والعامل في الظرف على ما قال أبو البقاء معنى الكلام أي لا يخرجون حينئذ .
* ( مَا عَلَى الْمُحْسنينَ منْ سَبيل ) * أي ما عليهم سبيل فالإحسان النصح لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ ووضع الظاهر موضع ضميرهم اعتناء بشأنهم ووصفاً لهم بهذا العنوان الجليل ، وزيدت * ( من ) * للتأكيد ، والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق على أبلغ وجه وألطف سبك وهو من بليغ الكلام لأن معناه لا سبيل لعاتب عليهم أي لا يمر بهم العاتب ولا يجوز في أرضهم فما أبعد العتاب عنهم وهو جار مجرى المثل ، ويحتمل أن يكون تعليلاً لنفي الحرج عنهم و * ( المحسنين ) * على عمومه أي ليس عليهم حرج لأنه ما على جنس المحسنين سبيل وهم من جملتهم ، قال ابن الفرس : ويستدل بالآية على أن قاتل البهيمة الصائلة لا يضمنها * ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحيمٌ ) * تذييل مؤيد لمضمون ما ذكروا فيه إشارة إلى أن كل أحد عاجز محتاج للمغفرة والرحمة إذ الإنسان لا يخلو من تفريط ما فلا يقال : إنه نفى عنهم الإثم أولا فما الاحتياج إلى المغفرة المقتضية للذنب فإن أريد ما تقدم من ذنوبهم دخلوا بذلك الاعتبار في المسئ .
* ( وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنْفِقُونَ ) * .
* ( وَلاَ عَلَى الَّذينَ إذَا مَا أَتَوْكَ لتَحْملَهُمْ ) * عطف على المحسنين كما يؤذن به
تفسير الآلوسي — صفحة 158
مساهمون: الآلوسي
ص١٥٨