تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار وألصق بطنه به لفرط الجوع فإنه يدل على غاية الضرر والشدة ولم يوصف الفقير بذلك ، وبأن الأصمعي . وأبا عمرو بن العلاء وغيرهما من أهل اللغة فسروا المسكين بمن لا شيء له ، والفقير بمن له بلغة من العيش . وأجيب بأن تمام الاستدلال بالآية موقوف على أن الصفة كاشفة وهو خلاف الظاهر ، وأن النقل عن بعض أهل اللغة معارض بالنقل عن البعض الآخر . وقال الشافعي عليه الرحمة : الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته ، والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه ، فالفقير عنده أسوأ حالاً من المسكين ، واستدل له بقوله تعالى : * ( وأما السفينة فكانت لمساكين ) * ( الكهف : 79 ) فأثبت للمسكين سفينة ، وبما رواه الترمذي عن أنس . وابن ماجة . والحاكم عن أبي سعيد قالا : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين " مع ما رواه أبو داود عن أبي بكرة أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو بقوله : " اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر " وخبر " الفقر فخري " كذب لا أصل له . وبأن الله تعالى قدم الفقير في الآية ولو لم تكن حاجته أشد لما بدأ به ، وبأن الفقير بمعنى المفقور أي مكسور الفقار أي عظام الصلب فكان أسوأ . وأجيب عن الأول بأن السفينة لم تكن ملكاً لهم بل هم أجراء فيها أو كانت عارية معهم أو قيل لهم مساكين ترحماً كما في الحديث " مساكين أهل النار " وقوله : مساكين أهل الحب حتى قبورهم * عليها تراب الذل بين المقابر وهذا أولى ، وعن الثاني بأن الفقر المتعوذ منه ليس إلا فقر النفس لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسأل العفاف والغنى والمراد به غنى النفس لا كثرة الدنيا ، وعن الثالث بأن التقديم لا دليل فيه إذ له اعتبارات كثيرة في كلامهم ، وعن الرابع بأنا لا نسلم أن الفقير مأخوذ من الفقار لجواز كونه من فقرت له فقرة من مالي إذا قطعتها فيكون له شيء ، وأياً ما كان فهما صنفان ، وقال الجبائي : إنهما صنف واحد والعطف للاختلاف في المفهوم ، وروي ذلك عن محمد . وأبي يوسف ، وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا أوصى بثلث ماله مثلا لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال : إنهما صنف واحد جعل لفلان النصف ومن قال : إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك * ( وَالْعَاملينَ عَلَيْهَا ) * وهم الذين يبعثهم الإمام لجبايتها ، وفي البحر أن العامل يشمل العاشر والساعي . والأول من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار المارين بأموالهم عليه . والثاني هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها ، ويعطي العامل ما يكفيه وأعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقياً إلا إذا استغرقت كفايته الزكاة فلا يزاد على النصف لأن التصنيف عين الإنصاف . وعن الشافعي أنه يعطي الثمن لأن القسمة تقتضيه وفيه نظر ، وقيد بالوسط لا يجوز أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب والملبس لكونه إسرافاً محضاً ، وعلى الإمام أن يبعث من يرضي بالوسط من غير إسراف ولا تقتير ، وببقاء المال لأنه لو أخذ الصدقة وضاعت من يده بطلت عمالته ولا يعطي من بين المال شيئاً وما يأخذه صدقة ، ومن هنا قالوا : لا تحل العمالة لهاشمي لشرفه ، وإنما حلت للغني مع حرمة الصدقة عليه لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية ، والغنى لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل كذا في البدائع ، والتحقيق أن في ذلك شبهاً بالأجرة وشبهاً بالصدقة ، فبالاعتبار الأول حلت للغنى ولذا لا يعطى لو أداها صاحب المال إلى الإمام ، وبالاعتبار الثاني لا تحل للهاشمي . وفي النهاية رجل من بني هاشم استعمل على الصدقة فأجرى له منها