تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وقيل : حرفوا التوراة فسقطت بشؤم ذلك أشياء منها عن حفظهم ، وأخرج ابن المبارك وأحمد في " الزهد " عن ابن مسعود قال : إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها ، وفي معنى ذلك قول الشافعي رضي الله تعالى عنه : شكوت إلى وكيع سوء حفظي * فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور * ونور الله لا يهدى لعاصي * ( وَلاَ تَزَالُ تَطَّلعُ عَلى خَائنَة مِّنْهُمْ ) * أي خيانة كما قرئ به على أنها مصدر على وزن فاعلة - كالكاذبة ، واللاغية - أو فعلة خائنة أي ذات خيانة ، وإلى ذلك يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، أو فرقة خائنة ، أو نفس خائنة ، أو شخص خائنة على أنه وصف ، والتاء للمبالغة لكنها في فاعل قليلة ، و * ( منهم ) * متعلق بمحذوف وقع صفة لها ، خلا أن - من - على الوجهين الأولين ابتدائية أي على خيانة ، أو فعلة ذات خيانة كائنة منهم صادرة عنهم ، وعلى الأوجه الأخر تبعيضية ، والمعنى إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم كما يعلم من وصفهم بالتحريف وما معه بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها فلا تزال ترى ذلك منهم * ( إلاَّ قَليلاً مِّنْهُمْ ) * استثناء من الضمير المجرور في * ( منهم ) * ؛ والمراد بالقليل عبد الله بن سلام وأضرابه الذين نصحوا لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وجعله بعضهم استثناء من * ( خائنة ) * على الوجه الثاني ، فالمراد بالقليل الفعل القليل : و * ( من ) * ابتدائية كما مر أي إلا فعلا قليلاً كائناً منهم ، وقيل : الاستثناء من قوله تعالى : * ( وجعلنا قلوبهم قاسية ) * . * ( فاعْفُ عَنْهُمْ واصْفَحْ ) * أي إذا تابوا أو بذلوا الجزية - كما روي عن الحسن وجعفر بن مبشر - واختاره الطبري ، فضمير عنهم راجع إلى ما رجع إليه نظائره ، وعن أبي مسلم أنه عائد على القليل المستثنى أي فاعف عنهم ما داموا على عهدك ولم يخونوك ، وعلى القولين فالآية محكمة ، وقيل : الضمير عائد على ما اختاره الطبري ، وهي مطلقة إلا أنها نسخت بقوله تعالى : * ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ) * ( التوبة : 29 ) الآية . وروي ذلك عن قتادة ، وعن الجبائي أنها منسوخة بقوله تعالى : * ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء ) * ( الأنفال : 58 ) * ( إنَّ اللَّهَ يُحبُّ الْمُحْسنينَ ) * تعليل للأمر وحث على الامتثال وتنبيه على أن العفو على الإطلاق من باب الإحسان . هذا ومن باب الإشارة في الآيات * ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ) * أمر بالتطهير لمن أراد الوقوف بين يدي الملك الكبير جل شأنه وعظم سلطانه ، وبدأ بالوجه - لأنه سبحانه وتعالى نقشه بنقش خاتم صفاته ، وفي " الفتوحات " لا خلاف في أن غسل الوجه فرض وحكمة في الباطن المراقبة والحياء من الله تعالى مطلقاً ، ثم اختلف الحكم في الظاهر في أن تحديد غسل الوجه في الوضوء في ثلاثة مواضع : منها البياض الذي بين العذار والأذن ، والثاني : ما سدل من اللحية ، والثالث : تخليل اللحية ، فأما البياض المذكور فمن قائل : إنه من الوجه ، ومن قائل : إنه ليس من الوجه ، وأما ما انسدل من اللحية فمن قائل : بوجوب إمرار الماء عليه ، ومن قائل : بأنه لا يجب ، وكذلك تخليل اللحية ، فمن قائل : بوجوبه ، ومن قائل : بأنه لا يجب ، وحكم ذلك في الباطن أما غسل الوجه مطلقاً من غير نظر إلى تحديد الأمر في ذلك فإن فيه ما هو فرض ، وفيه ما هو ليس بفرض ، فأما الفرض فالحياء من الله تعالى أن يراك حيث نهاك ، أو يفقدك حيث أمرك ، وأما السنة
تفسير الآلوسي — صفحة 90 | الآلوسي