تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
رضي الله تعالى عنهم بهذه الهيئة الاجتماعية جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه تعيين الإمام بعده مما لم يذكره المؤرخون وأهل السير من الفريقين فيما أعلم ، بل هو محض زور وبهتان نعوذ بالله تعالى منه . ومن وقف على تلك القصيدة الشنيعة بأسرها وما يرويه الشيعة فيها ، وكان له أدنى خبرة رأى العجب العجاب وتحقق أن قعاقع القوم كصرير باب أو كطنين ذباب ، ثم إن الأخبار الواردة من طريق أهل السنة الدالة على أن هذه الآية نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه - على تقدير صحتها وكونها بمرتبة يستدل بها - ليس فيها أكثر من الدلالة على فضله كرم الله تعالى وجهه وأنه ولي المؤمنين بالمعنى الذي قررناه ، ونحن لا ننكر ذلك وملعون من ينكره ، وكذا ما أخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ليس فيه أكثر من ذلك ، والتنصيص عليه كرم الله تعالى وجهه بالذكر لما قدمنا ، وقال بعض أصحابنا على سبيل التنزيل : إن الآية على خبر ابن مسعود وكذا خبر الغدير - على الرواية المشهورة - على تقدير دلالتهما على أن المراد الأولى بالتصرف لا بد أن يقيدا بما يدل على ذلك في المآل ، وحينئذ فمرحباً بالوفاق لأن أهل السنة قائلون بذلك حين إمامته ، ووجهه تخصيص الأمير كرم الله تعالى وجهه حينئذ بالذكر ما علمه عليه الصلاة والسلام بالوحي من وقوع الفساد والبغي في زمن خلافته ، وإنكار بعض الناس لإمامته الحقة ، وكون ذلك بعد الوفاة من غير فصل مما لا دليل عليه ، والخبر المصدر - كأني قد دعيت فأجبت - ليس نصاً في المقصود كما لا يخفى ، ومما يبعد دعوى الشيعة من أن الآية نزلت في خصوص خلافة علي كرم الله تعالى وجهه ، وأن الموصول فيها خاص . قوله تعالى : * ( واللَّهُ يَعْصمُكَ منَ النَّاس ) * فإن الناس فيه وإن كان عاماً إلا أن المراد بهم الكفار ، ويهديك إليه * ( إنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الكافرين ) * فإنه في موضع التعليل لعصمته عليه الصلاة والسلام ، وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر أي لأن الله تعالى لا يهديهم إلى أمنيتهم فيك ، ومتى كان المراد بهم الكفار بعد إرادة الخلافة ، بل لو قيل : لم تصح لم يبعد لأن التخوف الذي تزعمه الشيعة منه صلى الله عليه وسلم - وحاشاه في تبليغ أمر الخلافة - إنما هو من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، حيث إن فيهم - معاذ الله تعالى - من يطمع فيها لنفسه ، ومتى رأى حرمانه منها لم يبعد منه قصد الإضرار برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزام القول - والعياذ بالله عز وجل - بكفر من عرضوا بنسبة الطمع في الخلافة إليه مما يلزمه محاذير كلية أهونها تفسيق الأمر كرم الله تعالى وجهه وهو هو ، أو نسبة الجبن إليه - وهو أسد الله تعالى الغالب - أو الحكم عليه بالتقية - وهو الذي لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم ولا يخشى إلا الله سبحانه - أو نسبة فعل الرسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل الأمر الإلهي إلى العبث والكل كما ترى ، لا يقال : إن عندنا أمرين يدلان على أن المراد بالموصول الخلافة ، أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم كان مأموراً بأبلغ عبارة بتبليغ الأحكام الشرعية التي يؤمر بها حيث قال سبحانه مخاطباً له عليه الصلاة والسلام : * ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) * ( الحجر : 94 ) فلو لم يكن المراد هنا فرد هو أهم الأفراد وأعظمها شأناً - وليس ذلك إلا الخلافة إذ بها ينتظم أمر الدين والدنيا - لخلا الكلام عن الفائدة ، وثانيهما : أن ابن إسحاق ذكر في " سيرته " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع خطبته التي بين فيها ما بين ، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ثم قال : " أيها الناس اسمعوا قولي فإن لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً ، أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا ، وإنكم ستلقون ربكم فيسألنكم عن أعمالكم ، وقد بلغت ، ثم أوصى