الثلاثة على الخلافة الظاهرة ، والأحاديث الواردة في خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلافة الباطنة ولم يعطل شيئاً من الأخبار ، وقال بحقيقة خلافة الأربع رضي الله تعالى عنهم أجمعين . وأنت تعلم أن هذا مشعر بأفضلية الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلفاء الثلاثة ، وبعضهم يصرح بذلك ، ويقول : بجواز خلافة المفضول خلافة صورية مع وجود الفاضل لكن قد قدمنا عن الشيخ الأكبر قدس الله تعالى سره أنه قال : ليس بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه رجل ، وليس مقصوده سوى بيان المرتبة في الفضل فافهم * ( ومن يتولَّ الله ورسوله والذين آمنوا ) * فإنه من حزب الله تعالى أي أهل خاصته القائمين معه على شرائط الاستقامة * ( فإن حزب الله هم الغالبون ) * ( المائدة : 56 ) على أعدائهم الأنفسية والآفاقية ، وقد صح " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله سبحانه لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تعالى وهم على ذلك " * ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم ) * أي حالكم الذي أنتم عليه في السير والسلوك * ( هزواً ولعباً ) * فطعنوا فيه * ( من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) * وهم المقتصرون على الظاهر فقط - كاليهود - أو على الباطن فقط - كالنصارى - * ( والكفار ) * الذين حجبوا بأنفسهم عن الحق * ( أولياء ) * للمباينة في الأحوال * ( واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) * ( المائدة : 57 ) به عز شأنه * ( وإذا ناديتم إلى الصلاة ) * أي الحضور في حضرة الرب * ( اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) * ( المائدة : 58 ) الأسرار ولم يفهموا ما في الصلاة من بلوغ الأوطار ، فقد صح " حبب لي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة " * ( قل يا أهل الكتاب هل تنقمون ) * وتنكرون * ( منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ) * ( المائدة : 59 ) فجمعنا بين الظاهر والباطن وطرنا بهذين الجناحين إلى الحضرة القدسية * ( وجعل منهم القردة والخنازير ) * أي بدلنا صفاتهم بصفات هاتيك الحيوانات من الحيل والحرص والشهوة وقلة الغيرة * ( وعبد الطاغوت ) * وهو كل ما يطغى مما سوى الله تعالى أي أنهم انقادوا إليه وخضعوا له ، ومن أولئك من هو عابد الدرهم والدينار * ( أولئك شر مكاناً ) * ( المائدة : 60 ) لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري وضلوا ضلالاً بعيداً * ( وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت ) * ( المائدة : 62 ) أي يقدمون بسرعة على جميع الرذائل لاعتيادهم لها وتدربهم فيها وكونها ملكات لنفوسهم ، فالإثم رذيلة القوة النطقية والعدوان رذيلة القوى الغضبية ، وأكل السحت رذيلة القوى الشهوية * ( وقالت اليهود ) * لحرمانهم من الأسرار التي لا يطلع عليها أهل الظاهر * ( يد الله ) * تعالى عما يقولون * ( مغلولة ) * فلا يفيض غير ما نحن فيه من العلوم الظاهرة * ( غلت أيديهم ) * وحرموا إلى يوم القيامة عن تناول ثمار أشجار الأسرار * ( ولعنوا ) * أي أبعدوا عن الحضرة الإلهية * ( بما قالوا ) * من تلك الكلمة العظيمة * ( بل يداه مبسوطتان ينفق ) * بهما * ( كيف يشاء ) * ( المائدة : 64 ) فيفيض حسب الحكمة من أنواع العلوم الظاهرة والباطنة على من وجده أهلاً لذلك ، وإلى الظاهر والباطن أشار صلى الله عليه وسلم " بالليل والنهار " فيما أخرجه البخاري وغيره " يد الله تعالى ملأى لا يغيضها سخاء الليل والنهار " * ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا ) * الإيمان الحقيقي * ( واتقوا ) * شرك أفعالهم وصفاتهم وذواتهم ، ولو أنهم آمنوا بالعلوم الظاهرة * ( واتقوا ) * الإنكار والاعتراض على من روي من العلوم الباطنة وسلموا لهم أحوالهم كما قيل : وإذا لم تر الهلال فسلم
لأناس رأوه بالأبصار
* ( لكفرنا عنهم سيآتهم ) * التي ارتكبوها * ( ولأدخلناهم جنات النعيم ) * ( المائدة : 56 ) في مقابلة إيمانهم واتقائهم * ( ولو أنهم
تفسير الآلوسي — صفحة 187
مساهمون: الآلوسي
ص١٨٧