تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
اللفظ فقط فيكون تجنيساً ، وقيل : هي من حيث اللفظ وملاحظة أصل المجاز كما تقول : سبني سب الله تعالى دابره ، أي قطعه لأن السب أصله القطع ، وإلى هذا ذهب الزمخشري ، واستطيبه الطيبي ، وقال : إن هذه مشاكلة لطيفة بخلاف قوله : قالوا : اقترح شيئاً نجد لك طبخه * قلت : اطبخوا لي جبة وقميصا واختار أبو علي الجبائي أن ذلك إخبار عن حالهم يوم القيامة أي شدت أيديهم إلى أعناقهم في جهنم جزاء هذه الكلمة العظيمة ، وحكاه الطبرسي عن الحسن ، ثم قال : " فعلى هذا يكون الكلام بتقدير الفاء أو الواو ، فقد تم كلامهم واستؤنف بعده كلام آخر ، ومن عادتهم أن يحذفوا فيما يجري هذا المجرى ، ومن ذلك قوله : * ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً ) * ( البقرة : 67 ) " ، وأنت تعلم أن مثل هذا على الاستئناف البياني ، ولا حاجة فيه إلى تجشم مؤونة التقدير ، على أن كلام الحسن - فيما نرى - ليس نصاً في كون الجملة إخبارية إذ قصارى ما قال : * ( غلت أيديهم ) * في جهنم وهو محتمل لأن يكون دعاء عليهم بذلك . * ( وَلُعنُواْ ) * أي أبعدوا عن رحمة الله تعالى وثوابه * ( بمَا قَالُواْ ) * أي بسبب قولهم ، أو بالذي قالوه من ذلك القول الشنيع ، وهذا دعاء ثان معطوف على الدعاء الأول ، والقائل بخبريته قائل بخيريته ، وقرئ * ( ولعنوا ) * بسكون العين . * ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان ) * عطف على مقدر يقتضيه المقام أي كلا ليس الشأن كما زعموا بل في غاية ما يكون من الجود ، وإليه - كما قيل - أشير بتثنية اليد ، فإن أقصى ما تنتهي إليه همم الأسخياء أن يعطوا بكلتا يديهم ، وقيل : اليد هنا أيضاً بمعنى النعمة ، وأريد بالتثنية نعم الدنيا ونعم الآخرة ، أو النعم الظاهرة والنعم الباطنة أو ما يعطى للاستدراج وما يعطى للإكرام ، وقيل : وروي عن الحسن أنها بمعنى القدرة كاليد الأولى ، وتثنيتها باعتبار تعلقها بالثواب وتعلقها بالعقاب ، وقيل : المراد من التثنية : التكثير كما في * ( ثم ارجع البصر كرتين ) * ( الملك : 4 ) والمراد من التكثير : مجرد المبالغة في كمال القدرة وسعتها لا أنها متعددة ، ونظير ذلك قول الشاعر : فسرت أسرة طرتيه فغورت * في الخصر منه وأنجدت في نجده فإنه لم يرد أن لذلك الرشا طرتين إذ ليس للإنسان إلا طرة واحدة وإنما أراد المبالغة . وقال سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم : إن هذا من المتشابه ، وتفويض تأويله إلى الله تعالى هو الأسلم ، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أثبت لله عز وجل يدين ، وقال : " وكلتا يديه يمين " ولم يرو عن أحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم أنه أول ذلك بالنعمة ، أو بالقدرة بل أبقوها كما وردت وسكتوا ، ولئن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب لا سيما في مثل هذه المواطن ، وفي مصحف عبد الله - بل يداه بسطان - يقال : يد بسط بالمعروف ، ونحوه مشية سجح وناقة سرح . * ( يُنفقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) * جملة مستأنفة واردة لتأكيد كمال جوده سبحانه لما فيها من الدلالة على تعميم الأحوال المستفاد من ( كيف ) وفيها تنبيه على سر ما ابتلوا به من الضيق الذي اتخذوه من غاية جهلهم وضلالهم ذريعة إلى الاجتراء على كلمة ملأ الفضاء قبحها ، والمعنى أن ذلك ليس لقصور في فيضه بل لأن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم الدقيقة التي عليها تدور أفلاك المعاش والمعاد ، وقد اقتضت الحكمة - إذ كفروا بآيات الله تعالى وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم - أن يضيق عليهم ، و * ( كيف ) * ظرف - ليشاء - والجملة في موضع نصب على الحالية من ضمير * ( ينفق ) * أي ينفق كائنا