تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
إيمانهم في الحقيقة ، والبغض لسبب غير ضار فيها ، وأيضاً ماذا يقول في قوله سبحانه : * ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) * ( التوبة : 71 ) الآية ، وأيضاً ماذا يجاب عن معاداة الكفار وكيف الأمر فيها وهم أضعاف المؤمنين ؟ ومتى كفت الملاحظة الإجمالية هناك فلتكف هنا ، وأنت تعلم أن ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة مما لا شك في وقوعها فضلاً عن إمكانها ، والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك ، والمحذور كون الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة وليس فليس إذ الأولى : أصل . والثانية : تبع . والثالثة : تبع التبع ، فالمحمول مختلف ، ومثله الموضوع إذ الموالاة من الأمور العامة وكالعوارض المشككة ، والعطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهته ، فالموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض مع أن نسبة الوجود إلى كل غير نسبته إلى الآخر ، والجهة مختلفة بلا ريب ، وهذا قوله سبحانه : * ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ) * ( يوسف : 108 ) مع أن الدعوة واجبة على الرسول صلى الله عليه وسلم مندوبة في غيره ، ولهذا قال الأصوليون : القران في النظم لا يوجب القران في الحكم ، وعدوا هذا النوع من الاستدلال من المسالك المردودة ، ثم إنه أجاب عن حديث عدم وقوع التردد مع اقتضاء * ( إنما ) * له بأنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم التمسوا من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم الاستخلاف ، فقد روى الترمذي عن حذيفة " أنهم قالوا : يا رسول الله لو استخلفت ؟ قال : لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله فاقرأوه " وأيضاً استفسروا منه عليه الصلاة والسلام عمن يكون إماماً بعده صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج أحمد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : " قيل : يا رسول الله من نؤمر بعدك ؟ قال : إن تؤمروا أبا بكر رضي الله تعالى عنه تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة ، وإن تؤمروا عمر رضي الله تعالى عنه تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم ، وإن تؤمروا علياً - ولا أراكم فاعلين - تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الصراط المستقيم " وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضوره صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية ، فلم يبطل مدلول * ( إنما ) * انتهى ، وفيه أن محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد ، نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر ونازع بعضهم بعضاً بعدما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم جواب ما سألوه لتحقق المدلول ، وليس فليس ، ومجرد السؤال والاستفسار غير مقتض - لإنما - ولا من مقاماته بل هو من مقامات - إن - والفرق مثل الصبح ظاهر ، وأيضاً لو سلمنا التردد ، ولكن كيف العلم بأنه بعد الآية أو قبلها منفصلاً أو متصلاً سبباً للنزول أو اتفاقياً ، ولا بد من إثبات القبلية والاتصال والسببية ، وأين ذلك ؟ والاحتمال غير مسموع ولا كاف في الاستدلال . وبعد هذا كله الحديث الثاني ينافي الحصر صريحاً لأنه صلى الله عليه وسلم في مقام السؤال عن المستحق للخلافة ذكر الشيخين ، فإن كانت الآية متقدمة لزم مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن أو بالعكس لزم التكذيب ، والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما قرر ، ومع ذا تقدم كل على الآخر مجهول فسقط العمل . فإن قالوا : الحديث خبر الواحد وهو غير مقبول في باب الإمامة قلنا : وكذلك لا يقبل في إثبات التردد والنزاع الموقوف عليه التمسك بالآية ، والحديث الأول يفيد أن ترك الاستخلاف أصلح فتركه - كما تفهمه الآية بزعمهم - تركه ، وهم لا يجوزونه فتأمل ، وذكر الطبرسي في " مجمع البيان " وجهاً آخر غير ما ذكره صاحب " إظهار الحق " في " أن الولاية مختصة ، وهو أنه سبحانه قال : * ( إنما وليكم الله ) * فخاطب جميع المؤمنين ، ودخل في الخطاب