تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إنما أنزل الله تعالى - * ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) * . و * ( الظالمون ) * و * ( الفاسقون ) * - في اليهود خاصة ، وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة * ( ومن لم يحكم بما أنزل ) * الخ ليس في أهل الإسلام منها شيء هي في الكفار ، وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة وابن جرير عن الضحاك نحو ذلك ، ولعل وصفهم بالأوصاف الثلاث باعتبارات مختلفة ، فلانكارهم ذلك وصفوا - بالكافرين - ولوضعهم الحكم في غير موضعه وصفوا - بالظالمين - ولخروجهم عن الحق وصفوا - بالفاسقين - أو أنهم وصفوا بها باعتبار أطوارهم وأحوالهم المنضمة إلى الامتناع عن الحكم ، فتارة كانوا على حال تقتضي الكفر ، وتارة على أخرى تقتضي الظلم أو الفسق ، وأخرج أبو حميد وغيره عن الشعبي أنه قال : الثلاث الآيات التي في المائدة أولها : لهذه الأمة . والثانية : في اليهود . والثالثة : في النصارى ، ويلزم على هذا أن يكون المؤمنون أسوأ حالاً من اليهود والنصارى إلا أنه قيل : إن الكفر إذا نسب إلى المؤمنين حمل على التشديد والتغليظ ، والكافر إذا وصف بالفسق والظلم أشعر بعتوه وتمرده فيه . ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في " سننه " عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الكفر الواقع في أولى الثلاث : إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه إنه ليس كفراً ينقل عن الملة كفر دون كفر ، والوجه أن هذا كالخطاب عام لليهود وغيرهم ، وهو مخرج مخرج التغليظ ، أو يلتزم أحد الجوابين ، واختلاف الأوصاف لاختلاف الاعتبارات ، والمراد من الأخيرين منها الكفر أيضاً عند بعض المحققين ، وذلك بحملهما على الفسق والظلم الكاملين ، وما أخرجه الحاكم وصححه . وعبد الرزاق وابن جرير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه - أن الآيات الثلاثة ذكرت عنده فقال رجل : إن هذا في بني إسرائيل فقال حذيفة : نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرّة ، كلا والله لتسلكن طريقهم قدّ الشراك - يحتمل أن يكون ذلك ميلاً منه إلى القول بالعموم ، ويحتمل أن يكون كما قيل : ميلاً إلى القول بأن ذلك في المسلمين ، وروي الأول عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما إلا أنه قال : كفر ليس ككفر الشرك وفسق ليس كفسق الشرك وظلم ليس كظلم الشرك . هذا وقد تكلم بعض العارفين على ما في بعض هذه الآيات من الإشارة فقال : * ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) * أي اتقوه سبحانه بتزكية نفوسكم من الأخلاق الذميمة * ( وابتغوا إليه الوسيلة ) * أي واطلبوا إليه تعالى الزلفى بتحليتها بالأخلاق المرضية * ( وجاهدوا في سبيله ) * بمحو الصفات والفناء في الذات * ( لعلكم تفلحون ) * ( المائدة : 35 ) أي لكي تفوزوا بالمطلوب ، وقيل : ابتغاء الوسيلة التقرب إليه بما سبق من إحسانه وعظيم رحمته وهو على حد قوله : أيا جود معن ناج معناً بحاجتي * فليس إلى معن سواه شفيع * ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض ) * أي ما في الجهة السفلية * ( جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ) * الكبرى * ( ما تقبل منهم ) * ( المائدة : 36 ) لأنه سبب زيادة الحجاب والبعد ولا ينجع ثمة إلا ما في الجهة العلوية من المعارف والحقائق النورية * ( والسارق والسارقة ) * أي المتناول من الأنفس والمتناولة من القوى النفسانية للشهوات التي حرمت عليها * ( فاقطعوا أيديهما ) * أي أمنعوهما بحسم قدرتهما بسيف المجاهدة وسكين الرياضة * ( جزاءاً بما كسبا ) * من تناول ما لا يحل تناوله لها * ( نكالاً ) * ( المائدة : 38 ) أي عقوبة من الله عز وجل * ( سماعون للكذب ) * ووساوس شيطان النفس * ( سماعون لقوم آخرين ) * وهم القوى النفسانية * ( لم يأتوك ) * أي ينقادوا لكم ،