وبعد تكوّن مفهوم الخبر المفيد للعلم ، والآخر غير المفيد له ، يدخل المرتضى في بحث مطوّل نسبيا في تحليل بنية هذا العلم المستفاد بالأخبار المفيدة للعلم ، هل هو علم ضروري أو كسبي ؟ وما هي طبيعته ؟ وفي هذا البحث كلّه تجد صراعا كلاميا محتدما « 1 » .
وبهذا المدخل الذي يقسّم فيه المرتضى الخبر العلمي إلى ما يفيد العلم بالضرورة ، وما يفيده بالتأمّل ، يلج المرتضى مباحث التواتر ، فيؤسّس - شيعيا - بلغة صريحة شروط الخبر المتواتر الذي يراه مما يفيد العلم بعد التأمّل والنظر « 2 » .
وهذه الشروط هي :
1 - بلوغ المخبرين حدّا في الكثرة لا تجيز العادة اتفاقهم معه على الكذب .
2 - أن يعلم أنّهم لم يجمعهم على الكذب جامع .
3 - أن يعلم انتفاء اللبس والشبهة فيما أخبروا عنه « 3 » .
ولا تمرّ هذه الشروط مرور الكرام ، بل تأخذ نصيبها - عند المرتضى - من البرهنة والاستدلال « 4 » ، والأكثر من ذلك أنّها تدرس من زاوية السبل والآليات التي تجعلنا على يقين بتحقّق هذه الشروط نفسها ، فكيف نعرف انتفاء الشبهة ؟ وكيف نعرف انتقاء التواطؤ والاتفاق على الكذب من جماعة من المخبرين ؟ « 5 » .
وبذلك ينهى المرتضى مباحث التواتر ، ليشير في خاتمتها إلى تلك الأخبار التي تفيد العلم بيد أنها غير متواترة فيذكر :
أ - ما يعلم صدقه بإخبار اللّه تعالى عنه .
ب - ما يعلم صدقه بإخبار الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم عنه .
ج - ما تخبر به الأمة برمّتها عنه .
وهي مفردات ثلاث يطرحها المرتضى ويبرهن عليها جميعا ببراهين تتسم كلّها بالطابع العقلي « 6 » .
بعد ذلك ، يفرد المرتضى بحثا لدراسة الأخبار التي يعلم كذبها اضطرارا أو عن اكتساب ، ويذكر نماذج عدّة ويناقش في نماذج أخرى « 7 » .
هامش
( 1 ) - المصدر نفسه : 8 - 22 ؛ وانظر الذخيرة : 345 - 351 .
( 2 ) - المرتضى ، الذريعة 2 : 22 .
( 3 ) - المصدر نفسه : 22 - 23 ؛ وانظر الذخيرة : 351 .
( 4 ) - المرتضى ، الذريعة 2 : 23 - 25 ؛ انظر الذخيرة : 352 - 353 .
( 5 ) - المرتضى ، الذريعة 2 : 25 - 31 ؛ والذخيرة : 353 - 355 .
( 6 ) - المرتضى ، الذريعة 2 : 31 - 32 .
( 7 ) - المصدر نفسه : 35 - 39 .