تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
ويعيد المفيد سلب العلمية والعملية عن الخبر الواحد في رسالته في نفي سهو النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ثم يقول : « ومن عمل عليه ( خبر الواحد ) فعلى الظن يعتمد في ذلك دون اليقين » « 1 » ، ورغم أن الموضوعات المشار إليها بعضها عقائدي وفيه طابع جدلي مع أهل السنّة ، إلا أن سلب الجانب العملي يعطي انطباعا عاما بعد أن لم يكن المفيد مضطرّا له في سياق هذا الجدل الكلامي ، سيما وأن حواره في سهو النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كان حوارا داخليا لا مع أهل السنّة . وبهذا يظهر أنّ المفيد لم تكن عنده مشكلة مع مبدأ السنّة الواقعيّة ، حيث قبل بها مع التواتر ، وإنما كانت مشكلته مع بعض أشكال السنّة المحكيّة ، عنيت ثبوت هذه السنّة عن طريق ظنّي ، عبّرت عنه الثقافة الإسلامية بمصطلح « خبر الواحد » . لقد كان موقف المفيد هذا ، أوّل موقف صريح شيعيا يؤسّس بنيانا في السنّة المحكيّة ، ورغم اختصار محاولاته وتفرّقها في أطراف كتبه إلا أنّها حضرت بقوّة عند تلميذه المرتضى ( 436 ه ) كما سيأتي ، ومن ثم لا نفهم الكلام المجمل الذي ساقه بعض المعاصرين « 2 » حول مخالفة المرتضى لأستاذه المفيد في مسألة الأخبار ، إذ لعلّه فهم من المرتضى خصوص حجية المتواتر ، دون الواحد المحفوف بالقرينة ، وإلا فهما متفقان في الرأي ، كما سيظهر قريبا أيضا .

المرتضى ( 436 ه ) وخبر الواحد ، قمّة الرفض

يمثّل السيد أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي ، المعروف بالسيد المرتضى علم الهدى ( 436 ه ) شخصية مفصليّة في موضوع خبر الواحد هو والشيخ الطوسي ( 460 ه ) ، فقد ادّعى - كما سيأتي - الإجماع على عدم حجية الخبر الواحد ، إجماعا يعارض ما ادّعاه الطوسي ، الأمر الذي أشغل العلماء فيما بعد في محاولات توفيق بين الدعويين سوف نأتي على ذكرها إن شاء اللّه تعالى .

نظرية الخبر عند المرتضى ، منهج البحث

وبداية يجب أن نعرف أنّ المرتضى شكّل في تاريخ الثقافة الشيعية أبرز شخصيّة كلامية عقليّة ، حتى اتّهم بالاعتزال « 3 » ، لقد كان المرتضى في مجمل دراساته ، ذا عقلية
هامش
( 1 ) - المفيد ، عدم سهو النبي : 27 . ( 2 ) - محمد حسين نصّار ، جهود الشيخ المفيد الفقهية ومصادر استنباطه : 231 . ( 3 ) - راجع : خليل بن أيبك الصفدي ، الوافي بالوفيات 21 : 7 ، حيث وصف المرتضى بأنه : « كان رأسا في الاعتزال » ؛ وأبا الفرج بن الجوزي ، المنتظم 15 : 294 ، حيث وصفه بقوله : « وكان يميل إلى