ليس ظنيا ، على أنّ مسألة الانسداد ليست - عند الخالصي - سوى فرض فرضه بعض الفقهاء المتأخرين ، ليس لشيء إلّا لتشريح الذهن وتدريبه على حلّ الفروض الصعبة والمعقّدة « 1 » .
ثانيا : السيرة العقلائية ، حيث غدت اليوم أهمّ دليل يعتمده علماء أصول الفقه الشيعي لإثبات حجية أخبار الآحاد ، كما لاحظنا سابقا .
وهذا الدليل على حجية الآحاد لا يرفضه حكميزاده ، إنما يضيف إليه قيدا يضطرّه إلى فتح ملف نقد الموجود من الأحاديث بين أيدينا ، إنّه يرى أنّ العقلاء لا يعملون بالخبر الذي قامت شواهد على عدم صحّته ، والأحاديث الموجودة بين أيدينا اليوم حالها كذلك « 2 » .
وبهذا كانت طريقة معالجة حكميزاده لمسألة السيرة العقلائية مختلفة بعض الشيء عن طريقة الموسوي الأصفهاني التي مرّت سابقا ، فالموسوي الأصفهاني حلّل تكوين السيرة ليؤكّد على تعلّقها بالخبر العلمي لا غير ، كما عرض السيرة على القرآن الكريم ليؤكّد معارضة القرآن لها وردعه عنها ، أما حكميزاده فقد عكف أكثر على درس الأحاديث المتوفرة بين أيدينا ليسحب عنها صفة الاعتماد ، بعيدا عن مسألة العلم أو النصّ القرآني .
والشواهد التي يقيمها حكميزاده على عدم صحّة موروثنا الحديثي ستة هي :
1 - عدم انسجام الكثير من هذه الأحاديث مع العقل .
2 - عدم انسجام الكثير منها مع العلم والحس « 3 » .
ولعلّ هذين الأمرين هما ما دفع حكميزاده للتشكيك في مصداقية الأحاديث ، انطلاقا من النزعة الحداثية التي تمثّل المرجعية الفكرية لهذا التيار في الثقافة الإسلامية المعاصرة ، ثلاثي : العقل - العلم - الحسّ .
من هنا ، لاحظنا حكميزاده يسرد قصّته مع الروايات الموروثة ، فيرى أنّه كان يتّهم عقله بالنقصان لدى مواجهته حديثا يعارض العقل ، ثم لاحظ أنّ هذا الحديث غدا ينافي العلم ، سيما وأنّ أكثر الأحاديث ضعيفة السند ، وأنّ ما صحّ من كتاب الكافي للكليني ليس سوى 12 % منه عنده ، كما أن سائر الصحاح تعاني المشكلة نفسها ، من هنا لجأ حكميزاده إلى التأويل ، تلك الآلية التقليدية التي حاولت الجواب - ميدانيا - عن أزمة تناقض
هامش
( 1 ) - محمد الخالصي ، كشف الأستار : 32 - 33 .
( 2 ) - حكميزاده ، أسرار هزار سأله : 32 .
( 3 ) - المصدر نفسه .