يعايشوهم حتى يخبرونا عن وثاقتهم ، إنّما وصلت إليهم أخبارهم عبر تعاقب الأجيال « 1 » ، وهي الإشكالية التي سبق أن لاحظناها عند المستشرقين وبعض رجال أهل السنّة في العالم العربي .
وعليه ، لا يصحّ الاعتماد على كتب الرجال ، بل ينبغي البحث عن سبيل آخر ، وهو - عند الأصفهاني - العرض على الكتاب ثم العقل ، الذي هو حجة اللّه وصاحب الأحكام اليقينية ، ثم الأصول المسلّمة ، ثم السنّة القطعية « 2 » ، وهذا هو الحلّ الوحيد حتّى لمواجهة ظاهرة التعارض في الأحاديث « 3 » ، ووفقها يؤخذ بالحديث حتى لو كان راويه ضعيفا ، أو يطرح حتى لو كان الراوي ثقة « 4 » .
مصادر الحديث وظاهرة الوضع
لكنّ الموسوي الأصفهاني لا يخفي ملاحظاته على كتب الحديث ، إذ يعتقد بأن الدسّ والجعل قد حصلا أولا في الأوساط السنية مع اليهود ومعاوية « 5 » ، ثم انتقل منه إلى الشيعة ، ورغم أنّ أئمة أهل البيت عليهم السّلام قد بذلوا جهودا مضنية لمواجهة هذه الظاهرة ، إلّا أن النصوص المجعولة بقيت قابعة في بطون المصادر الحديثية ، مع الاعتقاد أيضا بأن علماء المسلمين - من الشيعة والسنّة - قد قاموا بمحاولات جبّارة لتصفية الحديث ، لكن الوضع لم ينته كليا ، بل ظلّت الكتب المشحونة بالوضع والدس متداولة حتى بين أوساط عموم الناس « 6 » .
والذي يلاحظ عند الأصفهاني أن روايات الكرامات والمعجزات ملئت بالخرافة أو الغلوّ في الدين ، وقد وضعت بعض الأحاديث المكذوبة من قبل اليهود والمنافقين ، والذي حصل أنّ البسطاء تلقّوا هذه الروايات بثقة ، وغفلوا عمّا فيها من هدم الدين والطعن فيه ، ويرى الأصفهاني - مكملا وجهة نظره - أنّ أكثر روايات الوضع ترجع للمستحبات كالأدعية والزيارات والعبادات المستحبة وثوابها « 7 » .
ولا تقف انتقادات الأصفهاني عند هذا الحدّ ، بل يرى أن مصنّفي الحديث الكبار ،
هامش
( 1 ) - الأصفهاني ، فقه استدلالي : 169 - 170 .
( 2 ) - المصدر نفسه : 170 ، 582 ، وانظر له : پيرامون ظنّ فقيه : 50 - 53 ، 88 - 97 ، 98 - 100 .
( 3 ) - الأصفهاني ، فقه استدلالي : 135 .
( 4 ) - المصدر نفسه : 583 .
( 5 ) - حول معاوية انظر : فقه استدلالي : 476 - 482 ، 578 .
( 6 ) - الأصفهاني ، پيرامون ظن فقيه : كد - كه .
( 7 ) - المصدر نفسه : 76 - 77 .