الستينات والسبعينات من القرن العشرين ، كانت قد أخذت بالتبلور في النطقة العربية ، وأنّ تصميما قد اتخذ لنشر بعض الكتب الشيعية ذات الطابع المذهبي لخالص ، مما دفع بالحسني لنقد هذه الكتب نقدا عنيفا ، سيما وأنه أشار إلى أنّ هذه الكتب أخذت تطبع في بيروت بلد الطوائف والأديان « 1 » في إشارة واضحة لإرادته الحدّ مما من شأنه أن بلهب الأوضاع ضدّ الشيعة في لبنان ، في تلك الفترة التي كانت البلاد إما تتجه فيها نحو دخول الحرب الأهلية أو أنّها دخلتها فعلا وانفجر الوضع على أشدّه .
في السياق اللبناني ، وفي سياق الحرب الأهلية ، وفي سياق وضع الشيعة في العالم العربي ، أعتقد أنّه لا بدّ من فهم تجربة معروف الحسني ، وهي من أقدم تجارب تهذيب الحديث والدعوة إلى تصفيته .
ينطلق هاشم معروف في محاولته من مبدأ أساسي وهو مرجعية السنّة وعدم كفاية القرآن الكريم « 2 » ، بل يقرّ بالسنّة المحكية الموجودة بين المسلمين ، فهو يرى أنّ ما ألّفه السنّة والشيعة في الحديث « يمكن الاستفادة منه ، والاعتماد عليه إلى أبعد الحدود ، ما دام ينتهي في واقعه إلى مصدر واحد ، وهو الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله وسلّم » « 3 » ، بل يزيد إلى الاعتقاد بأنه كان بالإمكان لو « تجرّد الباحثون إلى طلب الحقّ الاستفادة من كتب الحديث واستغلالها لخدمة الدين ، سنية كانت أم شيعية . . » « 4 » .
ويقرّ الحسني بالجهود الضخمة التي بذلها المحدّثون من الطرفين ، لكنه - مع ذلك - يتحسّر على عدم تحقّق الغاية المرجوّة من الجهود التي بذلت ، ويرجع ذلك في رأيه إلى عاملين هما :
الأول : الانحياز واللاموضوعية في التعامل مع الأحاديث ، حيث سقط الكثيرون في أسر النزعات التي كانوا يميلون إليها ، ولم يأخذوا بما تعطيهم إياه الأمانة العلمية عبر عرض الأحاديث على قواعد نقد السند والمتن .
الثاني : اهتمام العلماء بأخبار الأحكام دون غيرها من العقديات والتاريخيّات ، مع أنّها أولى بالنقد والتصفية ، ذلك أنّها قد تكون أهمّ منها وأكثر شمولا وأعمّ تأثيرا « 5 » .
ورغم نقده الشديد لمصادر الحديث الشيعي ، يذهب الحسني إلى أنّ المحدّثين الشيعة بذلوا جهودا مضنية وجادة لتصفية الحديث عن الموضوعات وما دسّه المرتزقة
هامش
( 1 ) - هاشم معروف الحسني ، الموضوعات في الآثار والأخبار : 9 - 10
( 2 ) - المصدر نفسه : 7 ، 12 ، ودراسات في الحديث والمحدّثين : 12 - 14 .
( 3 ) - هاشم معروف الحسني ، دراسات في الحديث والمحدّثين : 7 .
( 4 ) - المصدر نفسه : 8 - 9 .
( 5 ) - المصدر نفسه : 56 - 57 ، وانظر له : الموضوعات في الآثار والأخبار : 87 .