ويتباين تحليل هذه الظاهرة ، ويطرح السؤال التالي نفسه : لما ذا صنّف أهل السنّة في الموضوعات فيما لم نجد تصنيفا شيعيا في ذلك حتى - كما سنرى - كتاب « الأخبار الدخيلة » للعلامة التستري ، بل بعده لم يعرف الشيعة أيضا اهتماما بهذا الأمر ، إلّا ما سنجده مع بعض الحركات الناقدة المهمّشة والمهشّمة نسبيا في هذا الوسط ؟ ! ولعلّه لهذا قيل : إن الأخبار الدخيلة هو الكتاب الشيعي الوحيد في هذا المضمار « 1 » .
الذي ظهر لنا - بعد تتبّع كلمات من أعطى موقفا في هذا الأمر - أنّ هناك رأيين مختلفين تمام الاختلاف هما :
الرأي الأوّل : وهو رأي الباحث المعاصر الشيخ رضا أستادي ، حيث يذهب إلى أنّ السبب في إحجام الشيعة عن مثل هذه التصنيفات يرجع إلى :
أولا : لقد قاموا بتصفية كتبهم الحديثية مرّتين ، مرّة قبل عصر الكليني ، حيث بالغوا في النقد والتمحيص ، كما هو الحال مع مدرسة قم الشهيرة بمواقفها المتطرّفة والمتحفظة من الرواة ، وأخرى مع المحمدين الثلاثة : الكليني ، والصدوق ، والطوسي ، وهذا معناه أنّه لم تعد هناك حاجة لمزيد من التصفية ، من هنا يعتقد أستادي أنّ الشيعة وإن لم يؤلّفوا كتبا في الموضوعات غير أنّهم سبقوا السنّة في هذا المجال ، أي مجال نقد الحديث وتصفيته « 2 » .
ثانيا : لم تكن عند الشيعة رغبة في التهاون ، واتّهام الرواية بالكذب لمجرّد احتمال ذلك ، فلذلك آثار خطيرة على مرجعية السنّة واعتبار الحديث « 3 » .
الرأي الثاني : وهو رأي السيد هاشم معروف الحسني ( 1403 ه ) ، حيث ذهب إلى أنّ محدّثي أهل السنّة كانوا أكثر وعيا من الشيعة بالأخطار التي كانت تحدق بالسنّة النبويّة ، فاهتمّوا بشكل أكبر بالنقد ، وألفوا في الموضوعات ، أمّا الشيعة فقد تجاهلوا - بحسب رأي الحسني - المسألة ، كأنّ الأمر لا يعنيهم ، مع أنّ ما عندهم لا يقلّ خطرا عما هو مسطور في مصادر الحديث السنّية « 4 » .
ويؤيّد معروف الحسني بعض حركات النقد الشيعي التي سنأتي على ذكرها قريبا ، مثل حركة التطهير العقدي ، وحركة تهذيب الحديث و . . ، كما يبدو أنّ التيار المدرسي في المؤسّسة الدينية الشيعية يميل إلى وجهة نظر الشيخ أستادي .
والحكم في هذا الموضوع يتبع - فيما أظن - طبيعة قراءة الباحث للموروث الشيعي
هامش
( 1 ) - رضا أستادي ، سخنى درباره الأخبار الدخيلة ، مجلّة آيينه پژوهش ، العدد 33 : 16 .
( 2 ) - المصدر نفسه : 14 ، 15 .
( 3 ) - المصدر نفسه : 15 .
( 4 ) - هاشم معروف الحسني ، الموضوعات في الآثار والأخبار : 88 - 89 .