تاريخية جادة لظاهرة التعارض وأسبابها وعواملها و . . باستثناء ما ذكره السيد محمد باقر الصدر ( 1400 ه ) في بعض دوراته البحثية ، حيث ذكر عدّة أسباب لهذه الظاهرة .
لكن الصدر - فيما توحيه كلماته التي ورد بها هذا البحث - دخل الموضوع انطلاقا من خطورة معضل التعارض « 1 » ، ذلك أنه يشكك في أساس المذهب الشيعي ، إذ كيف يكون أئمة أهل البيت عليهم السّلام معصومين ويكون لكل واحد منهم رأي إذا سئل ، إن ذلك أكبر شاهد على أنهم لم يكونوا سوى مجتهدين ، مما يبرر ظاهرة التعارض ، ورغم أن الصدر ينأى بنفسه عن الحديث عن موضوع العصمة ، موحيا أنه يريد تحليل أسباب التعارض « 2 » ، إلا أن هذا المدخل - لوحده - كفيل بأن يقنعنا أن الصدر قد سقط تحت وطأة القبليات الأيديولوجية لتفسير هذه الظاهرة ، ولهذا جاءت أسبابها عنده منسجمة جميعها مع الأسس الكلامية الشيعية .
ولا أعني بذلك أن على الصدر أن يناقض مبادئه العقدية ، فهذا شأنه الخاص ، إنما أعني أنه دخل دائرة بحث تاريخي ولكن ضمن سياق إيديولوجي دفاعي ، وهذا ما يعطي بحثه سمة خاصّة مهما كان تقييمنا له .
يضع الصدر في نظريته التاريخية ثمانية أسباب أدّت إلى ظاهرة التعارض ، وهي أسباب معروفة ، إلا أنه قام بجمعها وتوظيفها بدرجة جيدة وهي :
1 - الجانب الذاتي للتعارض ، والذي يعني به الصدر توهم الباحث للتعارض لخلل ذاتي ، فيما لا يكون هناك تعارض حقيقي موضوعيا « 3 » .
2 - تغير أحكام الشريعة عن طريق النسخ ، إذ ظاهرة النسخ تعطي دلالة على تعارض نصين ، لكن الصدر يحصر النسخ بعصر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، ويرى هذا السبب مفسّرا لبعض نصوص تلك الفترة فقط « 4 » .
3 - ضياع القرائن ، بمعنى أن كثيرا من النصوص إنما تبدو لنا اليوم متعارضة لحصول ظاهرة تقطيع في الرواية ، أو ضياع شواهد كانت متوفرة ، أو حصول نقص في نقل الرواية بحيث لو كانت تلك الشواهد موجودة لما تصوّرنا وجود تعارض ، فهذا المسار التاريخي لنقل الأحاديث هو الذي سبّب ذلك « 5 » .
هامش
( 1 ) - نقلنا سابقا اعتراف مثل الأعرجي بعدم سلامة حكم من التعارض ، فراجع له : وسائل الشيعة في أحكام الشريعة : 4 .
( 2 ) - الصدر ، بحوث في علم الأصول 7 : 28 .
( 3 ) - المصدر نفسه : 29 .
( 4 ) - المصدر نفسه : 29 - 30 .
( 5 ) - المصدر نفسه : 30 - 32 .