فهو إجماع قولي « 1 » ؛ ومن الواضح أن الإجماع العملي كاشف - كما يصرّح به السيد الحكيم ( 1390 ه ) في « حقائق الأصول » « 2 » - عن الإجماع القولي ، فتكون درجة الكشف في الإجماع القولي أكبر ومستوى الوضوح أعلى ، إذ النسبة بينهما نسبة الطريق إلى الواقع .
من جهة أخرى ، يقع الإجماع العملي في مظانّ الاجتهاد والحدس « 3 » ، بخلاف الإجماع القولي فهو حسّي يتتبّع الأقوال والمواقف ، وهذه نقطة تقدّم لصالح إجماع المرتضى على إجماع الطوسي نظرا لوقوع إجماع الطوسي في إطار استنباطي ، ومن تتبّع كلمات المرتضى والطوسي وقارن درجة القاطعية فيهما وجد بكل وضوح أن درجة القاطعية في كلام المرتضى وكثرة تكرّر موقفه هذا في كتبه ، أكبر بكثير مما جاء في كلمات الطوسي ، كما أسلفنا كلماتهما فليراجع ، لا بل إن ادعاء المرتضى أن المسألة كالقياس ظاهر - كما يفيده ظاهر عبارة صاحب الكفاية « 4 » - فيما هو فوق ادّعاء الإجماع .
وهذا كلّه يعني أن الشيخ الطوسي لاحظ جريا عمليا وممارسة ميدانية للطائفة ، واستنبط من هذا الجري أنهم عاملون بخبر الواحد ، وهذه النقطة هي ما تفيده أدلّته كما سنلاحظ ، وسنتوقّف عندها أيضا .
المضعّف الخامس : إن السيد المرتضى ذكر أدلّة قرآنية وعقلية على عدم شرعية العمل بالخبر شرعا ، فمن أدلّته العقلية أنه لا يؤمن معه من الوقوع في المفسدة ، ومن أدلته الشرعية قوله تعالى :
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
، الإسراء : 36 ، وغيرها من الآيات « 5 » ، وقد كانت هذه أدلّة على عدم المشروعية لا على إجماع الطائفة كما هو واضح ، وحينما ادعى المرتضى إجماع الطائفة لم يقم دليلا على مدّعاه سوى القول : آتونا بمن عمل بخبر الواحد و . . . مما هو في حقيقته تكرار للدعوى وتأكيد لها .
أما الطوسي فقد أقام أدلّة على الإجماع نفسه ، لأنه اعتقد بأنّه المدرك والمستند الوحيد لحجية الخبر ، وهذه الأدلّة هي وجود الأحاديث المتعارضة ، والجهود الرجالية لعلماء الشيعة كما تقدّم ، وهذا معناه أن الطوسي مارس عملية اجتهاد وحدس وتحليل كي يتوصّل إلى إجماعه هذا ، مما يعزّز حدسية إجماعه مقابل حسّية إجماع المرتضى .
لكن هذا المضعّف يواجه احتمال أن الشيخ الطوسي إنما أتى على ذكر هذه الأدلّة
هامش
( 1 ) - أيّد العملية والقوليّة السيد البروجردي أيضا في نهاية الأصول : 518 .
( 2 ) - السيد محسن الحكيم ، حقائق الأصول 2 : 134 .
( 3 ) - الغريب أن السيد محمود الشاهرودي اعتبر أن إجماع المرتضى حدسي ، مرسلا ذلك إرسال الواضحات ، فراجع له : نتائج الأفكار 3 : 266 - 267 .
( 4 ) - محمد كاظم الخراساني ، كفاية الأصول : 339 .
( 5 ) - رسائل الشريف المرتضى ، في مسألة خرجت عام 427 ه ، 4 : 336 - 337 ، و 2 : 30 ، و 3 : 269 - 270 .