اليقين أو الاطمئنان بمفاد إجماع الطوسي كوثيقة تاريخية بعد المناقشات السالفة ، سيما مع ملاحظة مضعّفات إجماع الطوسي الآتية ، لكنها بالتأكيد تحدث شرخا قويّا في إجماع المرتضى إذا أريدت به الشمولية .
مضعّفات إجماع الشيخ الطوسي
المضعّف الأوّل : ما تقدّم من معارضته بإجماع المرتضى وغيره ، وهذا الوجه إن أريد به تضعيف كلامه فهو صحيح ، لا بمعنى بطلانه بل بمعنى ضعف درجة الكشف فيه ، وأما إن أريد به تقوية إجماع المرتضى مباشرة فهو غير صحيح كما تقدّم .
المضعّف الثاني : ليس هناك نصوص صريحة من فقهاء تلك الحقبة تناصره القول بالإجماع ، على خلاف المرتضى الذي يقف لجانبه ابن إدريس والطبرسي والمفيد وفق ما تقدّم ، بل النص الوحيد الصريح في العمل بخبر الواحد هو نص الشريف الرضي ( 406 ه ) في المجازات النبويّة حين قال - بعد نفي العمل بالخبر الواحد في أمور العقيدة - : « إنما نعمل بأخبار الآحاد في فروع الدين ، وما يصحّ أن يتّبع العمل به غالب الظنّ » « 1 » .
ومن غير الواضح أن هذه العبارة تريد أن تدّعي إجماعا ، إذ لعلّه يقصد نفسه .
وقد نسب إلى ابن الجنيد القول بخبر الواحد ، ولا يتوفّر ما يؤكّد ذلك ، كما أنّ النسبة متأخّرة جدا « 2 » .
المضعّف الثالث : مخالفة الطوسي نفسه في كتبه الأخرى ، حتى التي تلت العدّة كما احتملناه سابقا ، وقد أكّد ذلك الشهيد الثاني وغيره « 3 » ، فإذا تمّ هذا الأمر فإنه يكشف عن أن المسألة لم تكن عند الطوسي واضحة على الدوام ، مما يعزّز - فيما يعزّز - احتمال استنباطية إجماعه ، وإلّا لو كانت المسألة بهذا الوضوح لما تنقّل بين الآراء ليصل إليها .
وهذا عينه ما التزمنا به في حقّ ابن إدريس على ما نسبه إليه الشيخ في « خلاصة الاستدلال » ، رغم أن حجم الشواهد المتعاكسة في نصوص الطوسي لا يرقى إليها مجرّد خلاف واحد من ابن إدريس لجملة كبيرة جدا من تصريحاته الشاملة والحاسمة .
المضعّف الرابع : ما تقدّم من أن إجماع الطوسي إجماع عملي ، أما إجماع المرتضى
هامش
( 1 ) - الشريف الرضي ، المجازات النبوية : 48 .
( 2 ) - دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ( العربية ) 2 : 611 ، ( والفارسية ) 9 : 299 ونسب فيها أيضا العمل بخبر الواحد إلى أخباريّي الشيعة ، ويبدو أنّ المراد منهم القدماء : 611 .
( 3 ) - الشهيد الثاني ، الرعاية الحال البداية في علم الدراية : 73 ؛ وانظر پيرامون ظنّ فقيه : 298 ، 305 ، 308 ، 311 ، 320 .