فأثرت سلباً على علم الرجال عند المسلمين من ناحية تحديد المواقف تجاه الرواة أو العلماء كما قلنا سابقاً . ورغم ذلك كلّه ظلّت هناك محاولات غير قليلة تشقّ طريقها وسط التاريخ لتجد لنفسها تقديم العذر لما قام به المديني ، من خوفٍ وكبر وضعف وما سوى ذلك من مسوّغات دفعته - برأيهم - لممارسة ما يُشبه التقيّة في موضوع خلق القرآن .
والمعروف أنّ ابن المديني كان قريباً من ابن مَعين في التشدّد في قبول الرواة ، على خلاف ما عُرف عن ابن حنبل من التوسّط والاعتدال في ذلك .
ومن الملفت للنظر ، ما ينقله عنه ابن معين حين يقول : « كان علي بن المديني إذا قدم علينا الكوفة أظهر السنّة ، وإذا ذهب إلى البصرة أظهر التشيّع » . ويعلّق الذهبي عليه قائلًا : « كان إظهاره لمناقب عليّ بالبصرة ؛ لمكان أنّهم عثمانيّة ، فيهم انحرافٌ على علي » « 1 » .
5 - أعمال الإمام محمد بن إسماعيل البخاري
محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ، الجعفي البخاري ( 194 - 256 ه - ) ، صاحب كتاب الجامع الصحيح المعروف ب - ( صحيح البخاري ) ، وهو الكتاب الذي يعتقد جمهور كبير من المسلمين أنّه أصحّ كتاب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى .
تعود أصول البخاري إلى شمال آسيا الوسطى ( بخارى ) ، من مدن أوزبكستان حالياً ، كان جدّه الثاني - المغيرةزرادشتيّاً ، ولما توسّعت البقاع الإسلاميّة من خلال تواصل الفتوحات التي شملت نقاطاً كثيرة من أرض المعمورة ، دخلت بخارى في الإسلام ، ونظراً لكون الجيش الإسلامي الذي فتح بخارى كان بقيادة يمان الجعفي ، وحيث أسلم جدّ البخاري على يديه ، نُسبت العائلة - ولاءً - إلى الجعفي العربي ، وإلا فهم أسرة لا تنحدر من أصول عربيّة .
اشتهر أمرُ الشيخ البخاري في مجال الحديث ، حتى عُرف بلقب ( أمير المؤمنين في الحديث ) ، وقد كانت للبخاري عدّة أسفار ورحلات إلى حواضر إسلاميّة علميّة وقتها ،
هامش
( 1 ) الذهبي ، سير أعلام النبلاء 11 : 47 .