طريقٌ آخر للرواية وهو معتبر ، الأمر الذي برّر له ذلك ، أو لعلّه يريد تكثير الطرق ، أو ربما كان المضمون في الرواية يبرّر له ذكر الطريق الضعيف لقاعدة التسامح ، أو لكونه بصدد نقل الروايات وجمعها حفظاً للتراث ، أو أنّه يريد تكثير الطرق ؛ لرفع معدّل الوثوق بالحديث ، أو لكونه يرى هذا الضعيف ثقةً ولو لضعف علميّ عنده في نقد الرجال ، أو لغير ذلك من المبرّرات الاجتهاديّة المعروفة والمتوقّعة ، فمثل هذه الصفات لا تفيد في نفسها تضعيفاً .
نعم ، لو أنّ راويةً لم تثبت وثاقته بعدُ واشتهرت فيه مثل هذه الحال ، بحيث كانت هي الغالبة على حديثه ، لزم التحذّر منه ؛ لاحتمال كونه وضّاعاً يستخدم هذه الطريقة في تمرير رواياته ، ويتعزّز الأمر لو لوحظ في أخباره نصوص ذات مضمون فاسد ، فلابدّ من التنبّه لهذا الأمر ، فهو قرينة تضعيف أحياناً .
يُشار إلى أنّ معنى اعتماده المراسيل ليس الاعتماد الفقهيّ ، بل إنّ بناء حديثه على المرسلات ، والظاهر - فيما أفهمه - أنّ هذا التعبير أعمّ من كونه يُرسل هو بنفسه أو يروي مراسيل الآخرين كثيراً ، والله العالم .
الزاوية الثانية : في أنّ توصيف الرجاليّين له بذلك ، هل يقصدون منه التضعيف أو لا ؟
الذي يظهر أنّ مثل هذا نحوُ تضعيفٍ من قبلهم ، لكن لا بمعنى سلب الوثاقة ، بل بمعنى أنّ أحاديثه ليست نقيّةً من جهة شيوخه ومن يروي عنهم ، ومن جهة منهجه في التحديث . يقول الشيخ حسن : « ومن الشواهد على ما قلناه ، أنّك تراهم في كتب الرجال يذكرون عن جمعٍ من الأعيان ، أنّهم كانوا يروون عن الضعفاء ، وذلك على سبيل الإنكار عليهم ، وإن كانوا لا يعدّونه طعناً فيهم » « 1 » .
ولعلّ من شواهد ذلك تعبير النجاشي في ترجمة أحمد بن محمد بن جعفر الصولي ، حيث
هامش
( 1 ) منتقى الجمان 1 : 40 ؛ وانظر : نهاية الدراية : 436 .